الشيخ أحمد بن علي البوني

11

شمس المعارف الكبرى

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما حقيقة إيمانك ؟ فقال حارثة : أصبحت وقد عرضت نفسي على الدنيا ، وقد استوى عندي حجرها وذهبها وحيّها وميّتها وغنيّها وفقيرها ، وكأني أنظر إلى عرش الرحمن بارزا ، والناس يساقون إلى الحساب وإلى الجنة وإلى النار . فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : قد عرفت فالزم . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الأرواح إذا باتت على طهارة من الوضوء فإنها تبيت ساجدة تحت العرش . وحرف الدال له من الأسرار الديمومية والبقاء ، وأما الودود فاسم من الود والود مشترك ، وهو ظاهر الحب ، والحب باطن الود ، وأول الود المحبة ، والود ينقسم إلى قسمين : ظاهر وباطن فظاهره الود وباطنه الحب ، فالود مسكنه القلب وهو أكشف عوالم القلب ، والعشق لطيفة بين الحب والود مسكنه الشغف ، والحب باطن العشق ومسكنه الفؤاد ، لأن القلب له ثلاث تجويفات : إحداها في أعلاه مما غلظ منه وهو نور ساطع وهو محل الإسلام ومعاني الحروف هنالك مشكلة ، وهو أيضا محل القوة الناطقة في الإنسان المدبرة لمعاني الإرادة المنبعثة من النفس ، والثانية في وسط القلب وهي محل التفكر والتذكر وهو نور ساطع وهو محل السكينة ، ومحل الخيال فيما تلقيه الروح ، والثالثة في آخره وهي أرقه وألطفه ويعبر عنها بالفؤاد وهي محل الإيمان والعقل والنور والتصرف والأسرار ، وميزان العقل ولطائف الحكم ومحل حب الحياة الطبيعية من الحرارة اللطيفة ، ولهذا الفؤاد عين نورانية يدرك بها حقائق الملكوتيات وأسرار العلويات الجزئيات والكليات وموازين الحقائق وهي محل الأنوار الوهبيات وأسرار العلويات وتلك البصيرة التي ينظر بها وهي التي قال اللّه تعالى فيها : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ والتجويف الوسط الذي هو محل العشق عين نورانية بها يدرك الطلب ومنها ينبعث الجد في الطلب والشوق إلى الشيء المطلوب ، وهي أسرع تعلقا بالأشخاص للطافتها ، وبها ينكشف عالم الملك وما حواه من صنع اللّه تعالى ، وبها يقع الاستحسان للمستحسنات . ثم للتجويف الأول عين نورانية ينظر بها إلى أسرار المحسوسات وأطوار المركبات وحقائق الحروف وأسرارها وعظيم ما أودع اللّه تعالى فيها من أسرار الأسماء وحقائق معارفها ، وبه كان ودها لعباد اللّه تعالى ولتعظيم اللّه تعالى بمعرفتها به ، وبما أنعم اللّه عليها به من كشفها أسرار المحسوسات ، وتلك بصائر القلوب كلها إلا أنهم متباينون في اختلاف الأمور . وقد تقدم في مواقيت البصائر ولطائف السرائر أن أرواح الوحي في كتاب اللّه ثلاثة : روح الأمين وروح القدس وروح الأمر ، فالوحي من الروح الأمين يدل على التجويفة الأولى لأنها البرزخية التي بين النطق واللسان فهو أول مراتب الوحي في التنزيل كل بما قسم اللّه له من الإلهام والوحي على القلوب ، وبعده روح القدس وهو أنوار ما يرد في اللوح المحفوظ إلى المرتبة الثانية من القلب فتثبت الإيمان والبصيرة الفكرية ، وتظهر أنوار الحكم وأنوار المواد الربانية واللطائف الإيمانية ، ثم المرتبة الثانية وهو محل النور الأقدس وهو محل السمع أيضا وهو محل العقل ، قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ وذلك لم يرد به موت الحس وإنما أراد به موت الكفر والعصيان ، ولم يرد بالصمم عن الآذان لأن حاسة السمع موجودة وإنما أراد بهذا السمع الذي في الفؤاد وهو محل العقل وهو محل تنزل روح الأمر الذي يشير إلى التمكن