الشيخ عباس القمي

86

شرح حكم نهج البلاغة

الخريف في الأبدان ، وتوليده الأمراض كالزكام والسعال وغيرهما أكثر من تأثير الربيع ، مع أنّهما جميعا فصلا اعتدال ، وأجابوا بأنّ برد الخريف يفجأ الإنسان وهو معتاد للحرّ بالصيف فينكأ فيه ، ويسدّ مسامّ دماغه ، لأنّ البرد يكثف ويسدّ المسامّ فيكون كمن دخل من موضع شديد الحرارة إلى خيش « 1 » بارد . فأمّا المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع فإنّه لا يكاد برد الربيع يؤذيه ذلك الأذى ، لأنّه قد اعتاد جسمه برد الشتاء ، فلا يصادف من برد الربيع إلّا ما قد اعتاد ما هو أكثر منه ، فلا يظهر لبرد الربيع تأثير في مزاجه ، على أنّ الصيف والخريف يشتركان في اليبس فإذا ورد البرد حينئذ ورد على أبدان استعدّت بحرارة الصيف ويبسه للتخلخل وتفتّح المسامّ والجفاف ، فاشتدّ انفعال البدن عنه ، وأسرع تأثيره في قهر الحرارة الغريزيّة ، فيقوى بذلك في البدن قوّتا البرد واليبس اللّتان هما طبيعة الموت ، فيكون بذلك يبس الأشجار واحتراق أوراقها ، وضمور الأبدان وضعفها . فأمّا لم أورقت الأشجار وأزهرت في الربيع دون الخريف ؟ فلما في الربيع من الكيفيّتين اللّتين هما منبع النموّ والنفس النباتيّة ، وهما الحرارة

--> ( 1 ) الخيش : قيل : هو بيت يتّخذ من أغصان الخلاف بورقها ، ويرشّ عليه الماء ليضربه الهواء فيبرد ، يتّخذ للجلوس فيه بالصيف . كذا قيل . منه ( ره )