الشيخ عباس القمي

52

شرح حكم نهج البلاغة

الثاني : أن يريد : لا تعظ الناس ، ولا تنههم عن منكر إلّا وأنت مقلع عنه . 37 - إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا ، ونهب تبادره المصائب ، ومع كلّ جرعة شرق ، وفي كلّ أكلة غصص . ولا ينال العبد نعمة إلّا بفراق أخرى ، ولا يستقبل يوما من عمره إلّا بفراق آخر من أجله ، فنحن أعوان المنون ، وأنفسنا نصب الحتوف ، فمن أين نرجو البقاء وهذا اللّيل والنّهار لم يرفعا من شيء شرفا ، إلّا أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا ، وتفريق ما جمعا ! . « 1 » هذا فصل لطيف من الموعظة مشتمل على ثمان كلمات . الغرض : الهدف ، تنتضل أي ترتمي ، والنهب بمعنى المنهوب . وقوله : « مع كلّ جرعة . . . » إلى آخره كناية عن تنغيص لذّات الدّنيا بما يشوبها ويخالطها من الأعراض والأمراض . وأمّا قوله : « ولا ينال العبد نعمة إلّا بفراق أخرى » لأنّ النعمة الحقّة هي اللذّة ، وظاهر أنّ النفس في الدّنيا لا يمكن أن يحصل على لذّتين دفعة ، مثلا الذي حصلت له لذّة الجماع حال ما هي حاصلة له ، لا بدّ أن يكون مفارقا لذّة الأكل والشرب ، وكذلك العكس وهكذا . والمنون : الموت ، وأمّا كوننا أعوانه باعتبار أنّ كلّ نفس وحركة

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الحكمة 191 .