ابن القاصح العذري البغدادي
30
سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي
والدمع وسيلانه : ولكنّها عن قسوة القلب قحطها * فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا لكن للاستدراك ، وقسوة القلب غلظه ، والقحط الجدب . أي : لم ينقطع الدمع إلا بسبب أن القلب قاس ، قال عليه أفضل الصلاة والسلام : « أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل والحرص على الدنيا » . قوله : « فيا ضيعة الأعمار » نادى ضيعة الأعمار على معنى التأسف ، وضيعة الأعمار ذهابها بلا كسب عمل صالح . تمشي أي : تمضي سبهللا أي فارغة ، يقال لكل شيء فارغ سبهلل : بنفسي من استهدى إلى اللّه وحده * وكان له القرآن شربا ومغسلا أي : أفدي بنفسي من كل محذور . من استهدى ، أي : من طلب الهداية من اللّه وحده لا من غيره ، أي : منفردا بطلب الهداية في زمن إعراض الناس عنها ، وكان له القرآن شربا أي نصيبا . أي إذا اقتسم الناس حظوظهم كان القرآن حظه يتروى به ومغسلا يتطهر به من الذنوب ، أي بدوام تلاوته والعمل بما فيه : وطابت عليه أرضه فتفتّقت * بكلّ عبير حين أصبح مخضلا أي طابت على المستهدي أرضه ، فتفتقت : أي فتفتحت له بكل عبير لما يثني به عليه أهلها من الثناء الذي يشبه العبير طيبا والعبير الزعفران ، وقيل : هو أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران حين أصبح مخضلا أي مبتلا ، كني بذلك عما أفاض اللّه عليه من نعمه بالمحافظة على حدوده : فطوبى له والشّوق يبعث همّه * وزند الأسى يهتاج في القلب مشعلا طوبى له أي للمستهدي أي الجنة له ، أي ما أطيب عيشه حين يبعث الشوق همه ، والهم هنا الإرادة ، أي الشوق إلى ثواب اللّه تعالى والنظر إلى وجهه الكريم يثير إرادته ويوقظها مهما أنس منها فتورا أو غفلة . والزند الأعلى مما يقدح به النار والزندة السفلى استعارة له . والأسى الحزن من أسيت على الشيء أي أسفت عليه ، ويهتاج أي يثور وينبعث ، ومشعلا أي : موقدا . وسبب هذا الحزن التأسف على ما ضاع من العمر : هو المجتبى يغدو على النّاس كلّهم * قريبا غريبا مستمالا مؤمّلا هو ضمير المستهدي والمجتبى المختار يغدو إذا مر أي يمر بالناس متصفا بهذه الصفات المذكورة قريبا من اللّه غريبا من الناس ، مستمالا أي يطلب منه من يعرف حاله الميل إليه والإقبال عليه ، مؤملا أي يؤمل عند نزول الشدائد : يعدّ جميع النّاس مولّى لأنّهم * على ما قضاه اللّه يجرون أفعلا