ابن القاصح العذري البغدادي

11

سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي

وفي مسند بقي بن مخلد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ويكسى والداه حلة لا تقوم لها الدنيا وما فيها » . ففي هذا ذكر الحلة وفيما قبله ذكر التاج ، والتاج الإكليل ، ثم نظم بقية الحديث المتقدم وهو فما ظنكم بالذي عمل بهذا فقال . فما ظنّكم بالنّجل عند جزائه * أولئك أهل اللّه والصّفوة الملا هذا استفهام تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه ، أي : ظنوا ما شئتم من الجزاء بهذا الولد الذي يكرم والداه من أجله . والنجل النسل كالولد ، يقع على المفرد والجمع قوله : أولئك أهل اللّه أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام : « أهل القرآن هم أهل اللّه وخاصته » . قوله : والصفوة أي : الخالص من كل شيء ، وفي صاده الحركات الثلاث ، والرواية الفتح والكسر أشار إلى قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [ فاطر : 32 ] . والملا بفتح الميم أشرف الناس وهو مهموز أبدل همزه ألفا للوقف ، أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام : « أشرف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل » . أولو البرّ والإحسان والصّبر والتّقى * حلاهم بها جاء القرآن مفصّلا أي هم أولو البر ، والبر الصلاح والإحسان فعل الحسن ، والصبر حبس النفس على الطاعة وردعها عن المعصية وأصله في اللغة المنع ، والتقى اجتناب جميع ما نهى اللّه عنه . قوله : حلاهم أي صفاتهم ، جاء بها القرآن مفصلا أي مبينا أي أهل اللّه جمعوا صفات الخير المذكورة في القرآن نحو قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [ المطففين : 22 ] ، [ الانفطار : 13 ] ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 195 ] ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 146 ] ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 68 ] ، إلى غير ذلك من الآيات العظيمة المتضمنة لهذه المعاني والقرآن في البيت بلا همز كقراءة ابن كثير . عليك بها ما عشت فيها منافسا * وبع نفسك الدّنيا بأنفاسها العلا أي بادر إلى صفاتهم وألزمها ما عشت ، أي مدة حياتك فيها منافسا أي مزاحما فيها غيرك ، وبع نفسك الدنيا أي أبدل نفسك الدنية بأنفاسها العلا أي بطيب أرواح الأعمال الصالحة التي هي علا ، والأنفاس جمع نفس بفتح الفاء ، والعلا بضم العين صفة الأنفاس . جزى اللّه بالخيرات عنّا أئمّة * لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا قال عليه الصلاة والسلام : « إذا قال الرجل لأخيه : جزاك اللّه عني خيرا فقد أبلغ في الثناء » ، معناه كأنه يقول : يا رب أنا عاجز عن مكافأة هذا فكافئه عني ، دعاء لكل من نقل القرآن من الصحابة والتابعين وغيرهم إلينا لقوله عليه الصلاة والسلام : « من أولى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له » . قوله : عذبا وسلسلا . أي : نقلا عذبا لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه ، ولا حرفوا ولا بدلوا ، وعذوبته أنهم نقلوه إلينا غير مختلط بشيء من الرأي