غانم قدوري الحمد
16
رسم المصحف
المبحث الأول أصل الكتابة العربية وعلاقتها بالخطوط السّاميّة أولا : حالة الكتابة العربية قبل الرسم العثماني : لعل من المفيد - قبل مناقشة أصل الكتابة العربية - الإشارة إلى رأي المصادر العربية في مدى انتشار الكتابة قبل الرسم العثماني ، وليس جديدا القول بأن بزوغ شمس الإسلام كان إيذانا بنهضة كتابية عظيمة ، تتمثل - في حرص النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على تعلم الصحابة الكتابة ، وعلى تدوين القرآن الكريم منذ فجر البعثة النبوية ، مما سنعرض له مفصلا في فصل تال . أما حالة الكتابة العربية قبل الإسلام فقد اضطربت فيها روايات الأقدمين ، وكاد ذلك الاضطراب أن يصيب آراء المحدثين ، فهذا ابن قتيبة ( ت 276 ه ) يقول « 1 » : « وكانت الكتابة في العرب قليلا » . ويقول عن الصحابة وهو يتحدث عن إذن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لعبد اللّه بن عمرو بتقييد الحديث : « وكان غيره من الصحابة أميين ، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان ، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي » « 2 » . ويتطرف البلوي ( ت 604 ه ) حين يذهب إلى انعدام الكتابة عند العرب في الجاهلية ، وأن الشعر قد جعل لهم عوضا « 3 » . وقد انساق عدد من المحدثين وراء دعوى أمية العرب قبل الإسلام ، وندرة الكتابة بينهم « فإذا وجد فيهم من يكتب ويقرأ فإنما هو نزيل هبط إليهم ، أو آئب من
--> ( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ( أبو محمد عبد اللّه بن مسلم ) : المعارف ، ط 3 ، بيروت . دار إحياء التراث العربي 1970 ، ص 130 ، وانظر : أبو بكر بن العربي ( محمد بن عبد اللّه ) : أحكام القرآن ، ط 1 ، دار إحياء الكتب العربية ، 1958 ، ق 4 ، ص 1944 . ( 2 ) ابن قتيبة : تأويل مختلف الحديث ، مطبعة كردستان العلمية بمصر 1326 ه ، ص 366 . ( 3 ) البلوي ( أبو الحجاج يوسف بن محمد ) : ألف باء ، جمعية المعارف بمصر 1287 ه ، ج 1 ، ص 70 ، وانظر : الجمحي ( محمد بن يوسف ) : طبقات فحول الشعراء ، دار المعارف بمصر 1952 ، ص 22 .