عبد الفتاح اسماعيل شلبي
61
رسم المصحف العثمانى
5 - في القراءات المتخالفة بلاغة لو أمعنت النظر لوجدت أن في القراءات المتخالفة نواحي من السمو في البلاغة ، ألا ترى مثلا اختلاف القراءة في قوله تعالى : « بكلّ سحر » في الأعراف وفي يونس ، وقد رسمت فيها بغير ألف « 1 » فقرأ حمزة والكسائي وخلف ( سحّار ) على وزن فعّال في الموضعين ، وقرأ الباقون في السورتين ساحر على وزن فاعل « 2 » ، واتفقوا على حرف الشعراء أنه « سحّار » « 3 » - رسمت الألف بعد الحاء في الشعراء - واختلافهم في الأعراف ويونس ، واتفاقهم على التي في الشعر أمر يقتضيه المقام - دع ما يشير إليه الرسم - ؛ لأنه في الشعراء جواب لقول فرعون فيما استشارهم فيه من أمر موسى بعد قوله : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ فأجابوه بما هو أبلغ من قوله رعاية لمراده ، بخلاف التي في الأعراف ، فإن ذلك جواب لقولهم ، فتناسب اللفظان . وأما التي في يونس فهي أيضا جواب من فرعون لهم حيث قالوا : إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ فرفع مقامه عن المبالغة « 4 » . وللأستاذ المرحوم مصطفى صادق الرافعي رأى يشبه ذلك ، وهو ما ألحقه بمعانى الإعجاز ؛ إذ تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم ، أو تحقيق معنى من معاني الشريعة ، ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد . وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم ، ثم هو ما لا يستطيعه لغوى أو بيانى في تصوير خيال فضلا عن تقرير شريعة « 5 » ، وهيهات أن يكون شئ من ذلك إذا كانت القراءات تابعة لخاصية الخط العربي في خلوه من النقط والشكل ! ! أكان الاختلاف من أجل الرسم يتضمن هذه البلاغة حين يتفقون وحين يختلفون ؟ ! فكيف نسلك سبيل المتحاملين على الإسلام ، ونشايعهم في آرائهم من غير تدقيق في النظر أو إحكام ؟ .
--> ( 1 ) انظر المقنع : 21 . ( 2 ) النشر : 2 / 271 . ( 3 ) المقنع : 22 . ( 4 ) النشر : 2 / 271 . ( 5 ) إعجاز القرآن : 53 ، الطبعة الثالثة .