أحمد ياسوف
62
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وقد استمر هذا التكامل إلى القرن العاشر الهجري ، فالسيوطي في أسلوبه النقلي يبسط آراء سابقيه ، ويبيّن مفهومهم عن وجه الإعجاز المتمثل في النظم ، ومن ثم يقول هو بنظم الحروف والكلمات محتذيا بمنهجهم ، وعلى الرغم من هذا لا ينسى أن يدلي برأي عادل ، إذ يقول : « اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة قد يخبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر ، واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال » « 1 » . والمقارنة بين الألفاظ فيما يريد السيوطي - هي البحث في المادة الصوتية لألفاظ متقاربة المعاني ، فيفضّل ما هو أفصح ، وأحق بالموضوع ، وأحلى نغما ، وهذه الجمالية متحققة في القرآن الكريم بجانبيه : الشكل والمضمون ، وسنمر بتأملات السيوطي وغيره ونستنير بها في الفصول التطبيقية ، فلا بد من سردها هناك إحقاقا لحقهم ، ولبيان أنها إضافات جمالية إلى نظرية النظم . إن الجرجاني كان مدركا للجماليات التي تتضمنها المفردة ، إذ لا تخفى على أديب بارع مثله ، لكنه تجاوزها على أنها مرحلة أولى تسبق النظم أو تالية تتبعه ، فصبّ عنايته بتحمس على النسق الكلي . وله عبارات تدل على اعترافه بقيمة الكلمة المفردة لكنه يعبر عن ذلك بقوله « في مكانها » ، وهو يقترب قليلا مما نبتغي منه ، إذ يقول عن آية سورة هود : « إن شككت فتأمل ، هل ترى لفظة منها ، بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت ، لأدت من الفصاحة ما تؤدّيه ، وهي في مكانها من الآية ؟ قل : « ابلعي » واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى
--> ( 1 ) الإتقان : 2 / 269 .