أحمد ياسوف

52

دراسات فنيه في القرآن الكريم

الجرجاني « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » في تفسيره ، يذكرون ذلك غير آبهين غالبا بانتباه الزمخشري إلى ما استهجنه الجرجاني وعاداه من جمالية المفردات وتراكيبها الداخلية ، فلم يكن ثمة دارس بمستوى تحمس الجرجاني ومغالاته ، كما تبين لنا من فقرات متفرقة للجاحظ والخطابي ، وكان العلماء إذا أنكروا إعجاز المفردة ، فهم لا ينفون عنها الفصاحة . وبعض الدارسين يتحرى جمال المفردات ، وهو أقرب إلى النظم منه إلى المفردة ، وذلك من دون تفريق بينهما ، كما نجد عند ابن الأثير ومن قلّده ، فما موقع المفردة من الجملة إلا جزء من الصياغة الكلية أو التركيب العام وهذه دائرة الجرجاني . يقول ضياء الدين بن الأثير : « جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر ، فجاءت في القرآن جزلة متينة ، وفي الشعر ركيكة ضعيفة ، فأثر التركيب فيه هذين الوصفين الضدين ، فأما الآية فهي قوله تعالى : فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [ الأحزاب : 53 ] ، وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي : تلذّ له المروءة وهي تؤذي * ومن يعشق يلذ له الغرام « 1 » وهذه اللفظة التي هي « تؤذي » إذا جاءت في الكلام ، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به » « 2 » . وقد أتت الكلمة عند أبي الطيب عروضا للبيت ، فهنالك وقفة باترة لجريان النّفس ، ولكن تحدث ابن الأثير عن هذه الميزة في فصل جمال

--> ( 1 ) العرف الطيب شرح ديوان أبي الطيب ، ص 98 . ( 2 ) المثل السائر : 1 / 145 - 146 .