أحمد ياسوف
50
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الكلام ألفاظا متقاربة في المعنى يحسبها أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب ، كالعلم والمعرفة ، والحمد والشكر » « 1 » . وإذا كان في تعليقه السابق يبيّن خروج الناس عن المعيارية والجادة المستقيمة في استعمال القرآن ، فإنه في مكان آخر يوغل في كشف العالم النفسي والبعد الإنساني لتفضيل مفردة على أخرى ، فهو يقول بصدد الآية الكريمة : وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ [ المؤمنون : 4 ] : « وقولهم : إن المستعمل في الزكاة المعروض لها من الألفاظ ، الأداء والإيتاء والإعطاء ، ونحوها ، كقول أدّى فلان زكاة ماله ، وآتاها ، وأزكى ماله ، ولا يقال : فعل فلان الزكاة ، ولا يعرف ذلك في كلام أحد ، فالجواب أن هذه العبارات لا تستوي في مراد هذه الآية ، وإنما تفيد حصول الاسم فقط ، ولا تزيد على أكثر من الإخبار عن أدائها فحسب ، ومعنى الكلام ومؤدّاه المبالغة في أدائها ، والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم ، فيصير أداء الزكاة فعلا لهم مضافا إليهم ، يعرفون به ، فهم له فاعلون » « 2 » . فالأمر ليس مطابقة الدال للمدلول بقدر ما هو تأثير نفسي للكلمات وإيحائها الخاص بمعان سامية ، ولكن كان يستحب منه الإشارة إلى سبق القرآن للزكاة ، فالأفعال التي يذكرها تطبيق اجتماعي فحسب ولا تذكر للمقارنة ، وليس المقصود هنا المبالغة كما رأى ، بل المقصود توصيل الشريعة الغراء للإنسان إلى أسمى المراتب ، حتى تصبح المثالية الإنسانية طبعا في الإنسان . والمسألة ليست لغوية فحسب ، وإنما هي وجود لما لم يكن موجودا ، وبما أن « الفعل » عام ، ومظهر لوجود المرء ، وشكل لفاعليته
--> ( 1 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص 26 . ( 2 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص 41 .