أحمد ياسوف

494

دراسات فنيه في القرآن الكريم

يقول : « ورأينا اللّه تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف ، وإذا خاطب بني إسرائيل ، أو حكى عنهم ، جعله مبسوطا ، وزاد في الكلام » « 1 » . وهو يرمي إلى تفوّق العرب على اليهود في مضمار الفصاحة ، واشتهارهم بقلة الألفاظ للمعاني الكثيرة ، فإذا كان الإيجاز نتيجة للموضوع ، فإن النظرة المتفحّصة في الآيات القرآنية تؤكد أن هناك إيجازا أو اختزانا من نوع آخر ، وهو يتعلّق بجزئيات مكوّنة للموضوع ، ألا وهو اختزان المعاني بمفردات معيّنة ، وذلك أسلوب فني فكري يطّرد في جميع المواضيع القرآنية ، ولا يقتصر على موضوع مخاطبة العرب أو غيرهم ولا على المكي أو المدني . ويفرّق بين الإيجاز والاختصار قائلا : « ولو أن قائلا قال لبعضنا ما الإيجاز ، لظننت أنه يقول الاختصار ، والإيجاز ليس يعني به قلة عدد الحروف واللفظ ، وقد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يسع بطن طوماء ( صحيفة كبيرة ) فقد أوجز ، وكذلك الإطالة ، وإنما ينبغي له أن يحذف بقدر ما لا يكون سببا لإغلاقه ولا لترداده ، وهو يكفي من الأفهام بشطره ، فما فضل عن الأفهام فهو الخطل » « 2 » . ولهذه الجمالية أبعاد فنية ، بل هي لا تقتصر على الكلام المباشر ، فاللغة الانزياحية نوع من تكثيف العبارة يعمّق الإحساس ، وهذا ما يذهب إليه النقد المعاصر ، إذن يمكن أن نجد جمالية التكثيف في عدد العبارات ، وفي احتواء المفردة على المعاني الكثيرة ، وفي اختيار اللغة الانزياحية تجاه الحسّ البشري ، أي تكثيف العبارة ، وتوسيع مساحة الإحساس .

--> ( 1 ) الحيوان : 1 / 94 . ( 2 ) الحيوان : 1 / 91 .