أحمد ياسوف

477

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ومن هذا المنطلق جاءت تسمية تفاصيل التشريع الإسلامي فقها ، لأنه علم يعتمد الفهم العميق لدقائق الأمور ، مما يحتاج إلى دقة وفهم واسع ، كذلك فقه اللغة . والملحوظ هنا أن كلّا من الخطيب الإسكافي والزمخشري لم يتعرض للجانب الموسيقى ، فكلا الفاصلتين على الواو النون ، وهو الأكثر في القرآن الكريم . ورجال البلاغة يضعون أمثال هذه الشواهد تحت عناوين متعددة ، هي التوشيح أي دلالة أول الكلام على آخره ، والتصدير الذي هو في الشعر اختلاف القافية مع سائر كلمات البيت ، والإيغال الذي هو تتميم المعنى ، أما الزمخشري فقد سمّى هذه الجمالية بالتخيّر . ويمكن أن نقف عند قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الروم : 24 ] ، فالمتدبر يجد علاقة وثيقة بين معنى الفاصلة « يعقلون » وما سبق من كلام . يقول ابن أبي الإصبع : « ومن هذا النوع في الكتاب العزيز قوله تعالى في أول الجاثية : إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 4 ) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الجاثية : 3 - 5 ] . ويقول : « فالبلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى : المؤمنين ، لأنه سبحانه ذكر العالم بجملته ، حيث قال : السماوات والأرض ، ومعرفة ما في العالم من الآيات الدالة على أن المخترع له عليم حكيم ، وإن دلّ على وجود صانع مختار فدلالتها على صفاته ، لتقدّم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات ، وكذلك قوله في الآية الثانية : لقوم يوقنون ، فإن نفس الإنسان وتدبّر خلق الحيوان ، أقرب إليه من الأول ، وتفكّره في