أحمد ياسوف

453

دراسات فنيه في القرآن الكريم

لتفكيك المجتمع ، ويوازن الزمخشري بين الفتح والنصيب . يقول : « فإن قلت : لم سمّى ظفر المسلمين فتحا ، وظفر الكافرين نصيبا ؟ قلت : تعظيما لشأن المسلمين ، وتخسيسا لحظ الكافرين ، لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه ، وأما ظفر الكافرين ، فما هو إلّا حظ دنىء ولمطة من الدنيا يصيبونها » « 1 » . وهكذا يحاول الزمخشري جاهدا أن يقنعنا بجمال المفردة القرآنية معتمدا معايير مختلفة من اللغة والبلاغة والواقع النفسي ، إذ يعتمد معطيات الذوق السليم والفطرة والمنطق والاستعمال الصحيح للغة ، وهذا يطرد في كل جوانب جمال في كل جوانب جمال الكلمة على القرآنية ، ولا يقتصر على جانب الدلالة التهذيبية . ومن هذا الشواهد التي ترد في أبواب الكناية عند البلاغيين ، مثل قوله عز وجل : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] في الكلام على عيسى وأمه عليهما السلام ، وكذلك الآية الكريمة أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [ المائدة : 6 ] ، وذلك لأن الحدث ملازم لأكل الطعام ، وأن الغائط في الأصل هو المنخفض من الأرض يقصد لقضاء الحاجة ، فسمي الحدث باسم موضعه « 2 » . وكذلك قوله تعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [ هود : 113 ] ، فثمة فرق بين المس والإحراق ، يقول ابن أبي الإصبع : « الركون إلى الظلم دون فعل الظالم نفسه ، ومسّ النار دون إحراقها ، والدخول

--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 573 ، وانظر مدارك التنزيل للنسفي : 1 / 257 ، واللمظة : اليسير من الشيء تأخذه بالإصبع . ( 2 ) انظر مثلا تحرير التحبير ، لابن أبي الإصبع ، ص / 418 .