أحمد ياسوف

451

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وكان الزمخشري أكثر المفسرين الذين اهتموا بالدلائل التهذيبية ، وذلك لعنايته الفائقة بالمفردة ووقفته المطولة عند المفردة وأثرها النفسي ومطابقتها للمقام وإيحاءاتها ، من هذا وقفته عند كلمة « أصابعهم » من قوله تعالى في وصف المنافقين : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ [ البقرة : 19 ] . يقول : « فإن قلت : فالإصبع التي تسدّ بها الأذن إصبع خاصة ، فلم ذكر العام دون الخاص ، قلت : لأن السبّابة فعّالة من السبّ ، فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن ، ألا ترى أنهم قد استبشعوها ، فكنوا عنها بالمسبّحة والسبّاحة ، والمهلّلة والدعّاءة ، فإن قلت : فهلّا ذكر بعض هذه الكنايات ؟ قلت : هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد » « 1 » . لقد رأى في ذكر كلمة « سبابة » مدعاة لتذكر فعل السب ، وهو محرم في القرآن الكريم ، يقول عز وجل : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 108 ] ، فلا يصبح اسمه الجليل ممتهنا على الألسنة . هذه لفتة جميلة من الزمخشري ما دام سائر المفسرين والدارسين « 2 » يجدون في استخدام كلمة الأصابع لونا مجازيا لغويا ، أي إطلاق الكل على الجزء ، وذلك من غير التنبيه على رفعة الأسلوب القرآني . وكذلك الآية الكريمة : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [ مريم : 85 - 86 ] ، فيتأمل الزمخشري جمال مناسبة الحشر للمؤمنين والسوق للمجرمين .

--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 217 ، وانظر مدارك التنزيل للنسفي : 1 / 27 . ( 2 ) انظر مثلا : البرهان : 2 / 279 ، والإتقان : 2 / 178 ، وإرشاد العقل السليم : 1 / 53 .