أحمد ياسوف
438
دراسات فنيه في القرآن الكريم
بالزواج راحة كبرى ، إذ يتصف بانبساط النفس ، ولا شك أن البيان القرآني قصد إلى هذا النوع من الاتساع ، ليشيد بروحانية الزواج ، حتى غدا كل واحد من الزوجين فضاء لقرينه ، وليس بعد هذا تعبير أعمق عن أعمق الحب . وفي هذه الآية الكريمة وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [ النساء : 21 ] ، أي لا تأخذوا ما يقدم للنساء من مهر بعد الطلاق ، فإن الإفضاء يفيد الاتصال والخلوة والمضاجعة وقد يفيد الإسرار والحديث الداخلي والمناجاة وإلى جانب ما يفهم من أمور حسية ، فهو لفظ كلي واسع يعني الخلاص من تصريح ما يستحيى منه ، والكلمة بعد هذا جامعة للمعاني الروحية والحسية . وينظر الزركشي في متابعته هذه الجمالية على الأصل اللغوي للمفردة كما في الآية الكريمة ، وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [ الأنبياء : 91 ] ، والآية : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ [ المؤمنون : 5 ] من غير النظر إلى سياق الاستخدام القرآني الذي لا يريد المعنى الأصلي كما هو معروف . يقول : « أخطأ من توهّم هنا الفرج الحقيقي ، وإنما هو من لطيف الكنايات وأحسنها ، وهي كناية عن فرج القميص ، أي لم يعلق ثوبها ريبة ، فهي طاهرة الأثواب ، وفروج القميص أربعة : الكمّان ، والأعلى والأسفل ، وليس المراد هذا ، فإن القرآن أنزه معنى ، وألطف إشارة » « 1 » . وكأنه ينظر إلى مجازية المكان في قوله عز وجل : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ المدّثر : 4 ] الذي يعني تطهير الجسد ، وعلى هذا المنزل دلّنا في المكان نفسه على لطيف العبارة وتنزهها في قوله عز وجل : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [ فصّلت : 21 ] ، فقد كنى التعبير القرآن بالجلود عن الفروج
--> ( 1 ) البرهان : 2 / 318 ، والإتقان : 2 / 102 .