أحمد ياسوف
425
دراسات فنيه في القرآن الكريم
« غفار » وكلمة « مقتدر » أكثر من « غفور » ، و « قدير » لكثرة الحروف . ويبدو أن صيغة « غفور » و « قدير » أدلّ على الصفة الثابتة للخالق عز وجل ، وصيغة « غفار » و « مقتدر » أدل على الصفة الثابتة مضافا إليها جانب الفاعلية والقصد ، والصفة الإلهية - كما هو معروف في العقيدة - ثابتة لا تتغير زيادة ونقصانا . ومن هذا الباب أهمية صيغة المبالغة من اسم الفاعل في قوله عز وجل يصف اليهود : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [ المائدة : 42 ] لكثرة هذا الفعل الشنيع عند أولئك القوم ، وليدل بالصيغة على قوة فعل التنفيذ وعلو الهمة في القبائح . وهنالك صيغ تقوم برسم المشاهد بأدق طريقة فنية ، كما هي الحال في صبغة اسم الفاعل من الفلق في الآية الكريمة : فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [ الأنعام : 95 ] ، يقول الدكتور نور الدين عتر : « وقد عبّرت الآية باسم الفاعل « فالق » ، واسم الفاعل ينطبق على الفاعل حال تلبّسه بالفعل ، وبذلك قوّى القرآن الصورة ، وأدناها منّا ونبّه الإحساس لصورة الفلق ، وهي صورة موحية مؤدّية ، جعلت نظرنا يثقب الأرض إلى جوفها يشهد أعجوبة فلق النواة والحبّة عن حياة جديدة » « 1 » . وتحتوي الصيغة عمق المعنى ، وكان للدكتور نور الدين عتر نظرات موفقة ذات منهج واضح سويّ من خلال تفسيره لأوائل سورة البقرة محتكما إلى طبيعة اللغة ، كما في الآية الكريمة ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . يقول : « ونلحظ هاهنا أنّ وصف القرآن بقوله « هدى » وهو مصدر نكرة ، والمصدر لا يوصف به ، فالأصل أن يقال « هاد » ، لكنه وصف
--> ( 1 ) القرآن الكريم والدراسات الأدبية ، ص / 325 .