أحمد ياسوف

416

دراسات فنيه في القرآن الكريم

كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها ، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل ، على معنى أنّهن صافّات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من السابح » « 1 » . والمقرور به في علم المعاني أن الفعل يفيد التجدد والحدوث ، ويفيد الاسم الاستمرار والثبوت ، ونستطيع أن نقول بعد إدراكه دلالة الاسم والفعل وتمثيلها للثبات والتحرك : إن طول المدّين في كلمة « صافّات » يمثل الثبات في بسط الأجنحة ، وتمثّل الوقفتان بالسكون في كلمة « يقبضن » التحرك الطارئ ، وواضح أن الزمن في المدّ أطول من الزمن في التحرك ، وذلك في كل من الطيران وفي نطق المفردتين . وقرين هذا ملحوظته الدقيقة في ما تفيد صيغة المضارعة دون الاسمية ، وإسهامها في التصوير واستحضار الحدث ، وكأنما تراه العين لحظة حدوثه وتسمعه الأذن في الوقت ذاته ، وهذا ما جاء في تفسيره للآية الكريمة في الكلام على داود عليه السلام : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ [ ص : 18 ] . يقول : « ويسبحن في معنى مسبحات على الحال ، فإن قلت : هل من فرق بين « يسبحن » ومسبحات ؟ قلت : نعم ، وما اختير « يسبحن » على مسبحات إلا لذلك ، وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء ، وحالا بعد حال ، وكأن السامع حاضر تلك الحال التي يسمعها تسبح » « 2 » . وهكذا نتبيّن أن الزمخشري لا يكتفي بجوانب النظم ، بل يتابع بذوقه

--> ( 1 ) الكشاف : 4 : 138 . ( 2 ) الكشاف : 4 / 60 - 61 .