أحمد ياسوف
412
دراسات فنيه في القرآن الكريم
دالة على الكثرة في الحدث في هذا الفعل وغيره ، فقد استمر فيها إيثار « يذبّح » على يذبح ، و « يقتّل » على يقتل ، ويصلّب على يصلب ، و « يقطّع » على يقطع ، وذلك في كل من سرد الخبر أو على لسان فرعون ، ليكون الحوار معبرا عن شخصيته المتجبّرة . ولدى العودة إلى بني إسرائيل في القرآن الكريم نقرأ قوله عز وجل على لسان فرعون مهدّدا السحرة : فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى [ طه : 71 ] . فالغضب يتجلّى في الفعل الذي شدّدت عينه « أقطّعن » و « أصلبنكم » كما تضيف نون التوكيد معنى الشدة ، وهكذا العنف الشديد يناسب اختيار « في جذوع » وليس على جذوع ، فكأنه لشدة حنقه يريد أن يغرسهم داخل الجذوع ، فكل شيء يلين ويسيل أمام غطرسته الجذع والجسد . وثمة نبرة قوية تعضد معنى العنف ، تتجلّى في الوقوف على الميم الساكنة ثلاث مرات ، وكذلك في الوقوف على الباء الساكنة في الكلمة الأخيرة « أبقى » ، وكل هذا يساعد على تجسيم الغضب وشدة الوعيد بالإضافة إلى صيغ الأفعال . ونجد الزيادة في الحدث متجلية في زيادة السين والتاء كما في الآية الكريمة : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [ البقرة : 17 ] إذ « تستوقفنا كلمة « استوقد نارا » ، فنتبيّن فيها حال رجل قد أحاطت به حلكة الظلام ، فهو يطلب جاهدا نارا تضيء له مسالك السبيل ، والسين والتاء يدلان على هذا البحث القوي والطلب الجاد » « 1 » . والمعروف أن السين والتاء في « استفعل » تفيدان الطلب ، كما تفيدان أشياء أخرى كالصيرورة والتحول ، وهذه الصيغة تفيد الثبات والقوة ،
--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، د . أحمد بدوي ، ص / 32 .