أحمد ياسوف
404
دراسات فنيه في القرآن الكريم
تَشْكُرُونَ [ النحل : 78 ] ، وهذا ليس مطردا خلافا لما رأى الدكتور لاشين ، إذ قال تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 36 ] فأفرد البصر . ويقول الدكتور عبد الفتاح لاشين معبرا عن سبب من الواقع المعيش وطبيعة الخلقة : « إن استقبال الأذن للمسموع لا خيار للإنسان فيه ، فلا يمكن أن يمنع أذنه أن تسمع شيئا وصل إليها أو وقع عليها ، أما العين فلها الخيار في ذلك ، فلها أن ترى المنظر الذي أمامها فتحملق فيه ، ولها أن تغمض فلا ترى مما أمامها شيئا . . . إذا فالسمع واحد ، ولكن الأبصار قد تتعدد مرائيها ، هذا يبصر ذلك ، وذلك لا يبصر ، لأن هناك تحكما في العضو نفسه ، بحيث يرى أو لا يرى ، وأما السمع فلا خيار لأحد فيه ، لذلك جاء السمع مفردا ، والأبصار مجموعة دائما » « 1 » . أما صيغة الإفراد اللافتة للنظر ففي قوله تبارك وتعالى : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ غافر : 67 ] ، وكذلك وردت في قوله عز وجل : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [ النور : 31 ] ، إذ المتبادر إلى ذهن المتلقي أن يقول : أطفال . وقد استند الأخفش الأوسط ( - 215 ه ) إلى الاختصار والحذف لتأويل الإفراد ، منطلقا من طبيعة نحوية ، إذ قال حول الآية الأولى : « إنه استغنى بالواحد عن الجميع ، وذلك يعني أن سر الحذف هنا غير مجرد الاختصار ، وهو إقامة الواحد مقام الاثنين ، كما في قوله تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ ق : 17 ] « 2 » أي قعيدان . يقول الدكتور علي ناصف : « وإذا نظرنا في هذه الآيات الثلاث نتبيّن
--> ( 1 ) صفاء الكلمة ، د . عبد الفتاح لاشين ، ص / 137 . ( 2 ) معاني القرآن : 2 / 483 .