أحمد ياسوف
392
دراسات فنيه في القرآن الكريم
هذه الحروف مجتمعة نغما موسيقيا خاصا حمّلها أكثر من معنى الخصومة والجدل والنقاش بما أكسبها من أزيز في الأذن يبلغ السامع إلى أن الخصام قد بلغ درجة الفورة والعنف من جهة ، كما أحاطه بجرس محموس خاص يؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى » « 1 » . والصوت القوي في كلمة « فظا » يصوّر غلاظة الخلق كما الآية الكريمة : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] ، إن هذه الصفات المنفية قاسية ، ففي كلمتين يرد الظاء ثلاث مرات ، والتنكير في الأولى يقوّي من الإحساس به ، وكذلك يقوي التشديد في « انفضوا » من تصوير الحركة العنيفة تجاه قساوة القلب . وكذلك التعبير عن البخل بالشح في قوله تبارك وتعالى : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [ النساء : 128 ] ، فإن الحاء الحرف الاحتكاكي جاء مشدّدا بعد حركة ضم على الشين مما يوافق الاتجاه نحو الداخل والتمسك بالمكان ، وتضييق الدائرة الاجتماعية . وكذلك في الزجر الشديد عن الركون إلى الشيطان استخدم البيان القرآني كلمة « جبلا » أي خلقا في قوله عز وجل : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [ يس : 62 ] فإن اللام المشددة بعد الجيم والباء الشفوي ما يسهم في إبراز هذا الزجر . لقد حاولنا تقديم مصداق لوجود هذه الجمالية من خلال ما هو صادق مبرّر عند الباحثين ، وقد حاولنا تقديم التبرير من خلال طبيعة الأصوات ، وهناك ما كان متوهّما تمخّض عن إسقاط نفسي لدى الباحثين مما يحدو بهم إلى المبالغة أو الاستكناه ، وهذا ما نرفضه في دراسة القرآن دراسة علمية منهجية .
--> ( 1 ) الصورة الفنية في المثل القرآني ، ص / 256 .