أحمد ياسوف
39
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ولكن العلماء بعد الجاحظ تمسكوا بالنظم ، وأعلوا من شأنه على حساب المفردة الواحدة المشكلة للنظم ، وجعلوه مناط الإعجاز البياني ، لأن القرآن في منظورهم يتشكل من مفردات عربية متداولة ، وجارية على الأفواه ، وذلك تأسّيا - فيما يبدو - برأي الجاحظ . ويطالعنا الإمام الخطّابي ( - 388 ه ) بنظرات في النظم القرآني في رسالته المهمة على وجازتها « البيان في إعجاز القرآن » ، ويبدو أنه يؤكد فكرة النظم من غير المغالاة فيها ، إلا أنه لا يقول برأي صريح في جمال المفردة إلا عرضا ، وفي تعرضه للفروق وأهميتها كما سنرى . وقسّم الرماني في رسالته « النكت » البلاغة على ثلاثة أنواع ، وجعل المرتبة العليا للقرآن الكريم ، وجعل بلاغة القرآن في عشرة أقسام مثل التشبيه والتلاؤم والإيجاز ، وهو لا يذكر النظم صراحة مثل معاصره الخطابي . وكذلك القاضي عبد الجبار الجرجاني ( - 415 ه ) صاحب « المغني في أبواب التوحيد والعدل » وكان قد ذكر النظم في قالب فكري نتجاوزه لضيق البحث هنا ، ولكن في بعض كلامه في الجزء السادس عشر من كتابه ما يوحي بأهمية انتقاء المفردات إلى جانب النظم ، فثمة توازن وتصالح وتكامل . يقول القاضي عبد الجبار : « فالذي تظهر فيه المزية ليس إلا الإبدال الذي تختص به الكلمات ، أي اختيار الكلمات لأداء المعنى المناسب . . ولا يمتنع في اللفظة الواحدة أي تكون إذا استعملت في معنى أفصح منها إذا استعملت في غيره ، فأما حسن النغم وعذوبة القول فممّا يزيد الكلام حسنا على السمع ، لا أنه يوجد فضلا في الفصاحة » « 1 » .
--> ( 1 ) المغني في أبواب التوحيد والعدل : 16 / 199 بتصرف .