أحمد ياسوف
389
دراسات فنيه في القرآن الكريم
عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [ التكوير : 15 - 18 ] ، بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة « تحيد » بدلا من تنحرف أو تبتعد ، في قوله : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ ق : 19 ] » « 1 » . وهو ينتقل مباشرة إلى الأثر النفسي ، ولا يتغلغل في صفات الحروف بما يرضينا ، خصوصا أنّه ذو ثقافة متخصّصة باللغة ، ومن هذا القبيل عندما يورد الآية الكريمة : وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ [ إبراهيم : 16 - 17 ] . يقول عن لفظة « يتجرّعه » : « وما أحسب شفتيك إلا منقبضتين استقباحا واستهجانا لحال الكافر الذي يتجرع صديده ، ولا يكاد يسيغه ، فتستشعر في لفظة التجرّع ثقلا وبطءا يدعوان إلى التّقزّز والكراهية » « 2 » . والدكتور صبحي لا يدّعي تصوير المشهد بالصوت ، بل يكتفي بلفتة الزمخشري النفسية ، وهذا الثّقل أو الشّدة موطنه في قوة الجيم والرّاء ، والأخير متكرر بطبعه ، وهو مضعّف هنا ، وتعطي العين الاحتكاكية شيئا من مظهر التقزّز الحسي ، فهذا التشكيل الصوتي يجسّد صعوبة دخول الصّديد ، وليس في المفردة حرف ليّن أو هامس . والجديد عند الدكتور صبحي الصالح أن عملية التجسيم هذه لا تقتصر على معاني القوة والبطش والتهديد ، فقد رأيناه يتحدث في المكان نفسه عن همس السين التي ناسبت موقف تصوير الصبح في سورة التكوير . وهنالك وقفات متناثرة للدكتور عبد الكريم الخطيب حول هذه الجمالية ، وهو لا يجمعها تحت عنوان معيّن ، بيد أنّها غنيّة المضمون ،
--> ( 1 ) مباحث في علوم القرآن ، د . صبحي الصالح ص / 385 . ( 2 ) مباحث في علوم القرآن ، ص / 336 .