أحمد ياسوف

373

دراسات فنيه في القرآن الكريم

للمعنى ، وهي عند المعاصرين بين قبول ورفض ، وبين تترجّح بين الإجمال والسطحية ، وبين الغزارة والعمق ، وذلك على خلاف أسلوب الدارس واختلاف حجم ثقافته ، وسنبين أن للموروث اللغوي العربي يدا في إبراز هذه الجمالية . لقد ذهب عباد بن سليمان الصيرمي أحد المعتزلة ، إلى أن دلالة اللفظ على معناه بذاته لا بالوضع ، وقد غالى في مقولته ، فعند ما سألوه عن معنى كلمة « أذغاع » وهي في لغة فارس قال : « أظنها الحجر » « 1 » كما استشفّ من خشونة لفظها . ومن الأسلاف الذين أخذوا بجانب من هذه النظرية ، ولم يعمموا فقيه اللغة العالم ابن جني الذي قال في « الخصائص » : « واعلم أنّ هذا موضع شريف لطيف ، ونبّه عليه الخليل وسيبويه ( - 180 ه ) وتلقته الجماعة بالقبول والاعتراف بصحته » « 2 » . فهو يشير إلى إطباق أهل العربية على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني ، وقد عرّج على هذه الفكرة ، وبلورها في بابين من كتابه النفيس ، وهما باب تصاقب الألفاظ لتعاقب المعاني ، وباب إمساس الألفاظ أشباه المعاني . ومما يفيد بحثنا أن أبا الفتح بن جني دعم رأيه بمفردات من القرآن الكريم ، إضافة إلى شواهد من اللغة العربية ، فذكر الآية الكريمة : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [ مريم : 83 ] . يقول : « أي تزعجهم وتقلقهم ، فهذا في معنى تهزهم هزا ، والهمزة أخت الهاء ، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين ، وكأنهم خصّوا هذا

--> ( 1 ) المزهر ، السيوطي : 1 / 47 ، الخصائص : 2 / 152 . ( 2 ) الخصائص : 2 / 152 .