أحمد ياسوف
346
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وقوله عز من قائل : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ [ القمر : 52 ] والزبر كتب الحفظة من الملائكة . ونذكر من شواهد السورة نفسها : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ [ القمر : 21 ] وقوله عز وجل : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] . وهو يريد أن يقول : إن الكسرة والفتحة حركتان خفيفتان ، بخلاف الضمة ، فهي حركة ثقيلة ، وتلك القضية الصوتية تشهد بها عملية نطق الضمة التي هي واو صغيرة ، يكون للشفاه انكماش لدى نطقها . والملحوظ أن ابن الأثير ركّز على توالي الضمة في كلمات هي فواصل ، فالإحساس بالضم يكون قويا لعدم درج الكلام ، فالوقف يقوي من الشعور بالضمتين ومع هذا فهما سهلتان في النطق ، فليس العدد هو المعتبر . وتأكيدا على هذا نذكر قوله عز وجل وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ [ الأعراف : 101 ] فقد توالت أربع ضمات في كلمة « رسلهم » سهّل تواصل الكلام وجودها . والكلمة بقوتها هذه توحي إلى شدة الإنذار ، فهي نبرة غضب على الأمم البائدة التي لم تستجب للحق ، فإن الرسل أقصى غاية لتوصيل الحق بوساطة الرسائل السماوية إن لم ينفع النظر في الكون للدلالة على خالقه ، لذلك جاءت هذه الكلمة وحدها بهذه الضمات المتوالية وكأنها صرخة في وجوه الكفرة . وقد عاد ابن الأثير إلى سورة القمر ونهل منها شواهده ، ولكن المرء يؤكد فكرة عظيمة تتصل بجانب العقيدة بمجرد وجود آية تثبت صحة ما يذهب إليه ، وهنا يعدّ القرآن الكريم الدليل النقلي العقلي القاطع ، فإذا أراد أن يثبت وجود الملائكة والجن يعود إلى آي القرآن الكريم ، ليتخذ منها براهينه الجلية ، ذلك لأن العقل لا يشك في صحة كلام القرآن