أحمد ياسوف

297

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وفي العصر الحديث يؤكّد الرافعي مسألة الانسجام ، ليس بين الحروف فحسب ، بل بين صفات هذه الحروف ، فالعذوبة عنده : « لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر ، والشّدة والرّخاوة ، والتفخيم والترقيق ، والتفشّي والتكرير » « 1 » . وتأكيدا لهذا الانسجام الذي ندعو إلى منهجه مع الرافعي ، نذكر قوله تعالى : وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [ الشعراء : 130 ] ، فالطاء حرف إطباق شديد ، واستعلاء وجهر ، أمّا الشين فهو حرف همس ورخاوة وانفتاح ، إنّه انسجام بين الصّفات . وإذا كان حرفا النّون والرّاء متقاربين مخرجا لخروج حرف النون من طرف اللسان والثّنايا ، وحرف الرّاء كذلك مخرجه أول طرف اللسان والثنايا ، فإنّ كليهما من حروف الذّلاقة ، والتأليف بينهما أسهل من التأليف بين الحروف المصمتة ، والملحوظ هنا ما ذكره من سهولة نطق الكلمات القرآنية مع تعبيرها عن معاني الشدة . فليس من القبح أن نقرأ في البيان القرآني الأعلى مثل : « نريك ، نرى ، لنريه ، نريهم » وكلا الحرفين بين الشّدة والرخاوة ، فكثيرا ما ينفرد حرف الراء ذلك الحرف المتكرر ، فيصبح قويا عنيفا ، وكذلك حرف النون ، إلا أن النّسق الموسيقى في المفردات السابقة بوساطة الحركات يجعل في السمع وفي النطق لذة ، يقول عزّ وجلّ : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [ الإسراء : 17 ] ، وقوله : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ( 6 ) وَنَراهُ قَرِيباً [ المعارج : 6 - 7 ] ، والشواهد كثيرة . إضافة إلى إشارتنا إلى أن المعوّل عليه طبيعة النّغمة الصوتية للحرف

--> ( 1 ) إعجاز القرآن للرافعي ، ص / 215 .