أحمد ياسوف

289

دراسات فنيه في القرآن الكريم

اللسان ، ومخرج القاف أوّل الحلق ، ومخرج الطاء طرف اللسان ، وأصول الثّنايا ، فالمخارج متقاربة . ويبدو أنّ هذا الاستهجان للثقيل الوعر كانت له دواعيه الناتجة عن استيفاء علماء اللغة قديما لمفردات كلّ القبائل ، مما جعلهم يقعون على رصيد لا بأس به من ألفاظ وعرة خشنة ، فجاء الأدباء لينفّروا الناس منها ، وتلك مكرمة خالصة للقدامى لولا الوقوف عند قضية المخارج وإهمال الإيقاع الموسيقى في الفن القولي . وبعد أن بيّنا وفق نظرة الجاحظ أن الذوق السليم يميل إلى سهولة المخارج ، لا بدّ أن نتعرض لما ذكره الرماني ، فما ذكره جدير بالانتباه ، لأنه دلّ على سهولة المخارج في القرآن بشكل خاص ، يقول : « والسبب في التلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، فكلّما كان أعدل كان أشدّ تلاؤما ، وأما التنافر فالسبب فيه ما ذكره الخليل بن أحمد الفراهيدي ( - 170 ه ) من البعد الشديد أو القرب الشديد . والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبّل المعنى له في النفس ، لما يرد عليها من حسن الصورة ، وطريق الدّلالة » « 1 » . ويعدّ الرماني المنظّر الأول لهذا الفن في القرآن الكريم ، إذ سبقه الجاحظ بالنّظر في سياق المفردات بشكل عام ، ولم يخصص كلامه حول القرآن الكريم ، وهو يحيلنا كما نرى إلى القرن الثاني الهجري الذي كان فيه الخليل قد تعمّق في الثقافة الموسيقية ، واكتشف البحور الشّعرية ، ووضع معجمه على أساس صوتي . ويبدو جليا أن هذه النظرة الحسّيّة في تلقّي الصورة الصّوتية يواكبها بيان واضح للأثر النفسي ، فالنّفس لا تميل إلى المتنافر ، وكأنه يغلق

--> ( 1 ) في ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 88 .