أحمد ياسوف

274

دراسات فنيه في القرآن الكريم

الذي يكون قبل الرّويّ المقيد ، مثل « اصبر ، ونظر » ، والأمثلة كثيرة على حرية الفاصلة وجمالها معا ، وكذلك اختلاف الرّويّ . ولقد تحدث القدامى من الدارسين كالباقلّاني « 1 » وغيره عن مواضع تشابه القرآن والشعر ، ومواضع اختلافهما ، ودفعوا عن القرآن تهمة الشعر والسجع ، وشغلهم هذا الردّ عن معرفة ما وجد بديلا عن هاتيك القوقعة والجمود والرّتابة . وتدلنا كتب الإعجاز على تعلّق الدارسين بالشعر ، ونحن نأسف لأن نجد ما يشبه هذا التعلق إذا قرأنا ما جاء في كتاب الدكتور نعيم الحمصي ، فهو يرى أن بيان القرآن أعجز العرب الأوائل معاصري الرسول عليه الصلاة والسلام ، لأنهم شعراء فقط ، والقرآن أقرب إلى النثر منه إلى الشعر ، فهو يقول : « لتخلّف العرب في فني النثر والخطابة كانت دهشتهم من بيان القرآن وأسلوبه عظيمة جدا ، دونها دهشة وتقدير الأدباء العباسيين الفحول الذين تجرّأ بعضهم ، أو اتّهم بأنه تجرّأ على معارضة القرآن » « 2 » ، وكلنا يعلم أن الذين اتّهموا بمعارضة القرآن شعراء على الأغلب . وهذا الرأي مردود ، لأن الخطابة لم تتخلف عن الشعر ، فقد كانت في مستواه جودة وتحبيرا ، ونبغ خطباء مفوّهون في الجاهلية شهد لهم بالبراعة ، واستجلاء الفكر ، إلا أن الشعر كان من جهة الكم أكبر واستعماله أكثر ، وهو أسهل حفظا نتيجة موسيقاه ، فتداولوه في الحرب والسلم ، ثم إن العرب قارنوا القرآن بالشعر ، وليس بالنثر ، وقد ارتأت لهم القرابة من جرّاء فواصله ، ثم تراجعوا عن كونه شعرا ، وما كلامهم

--> ( 1 ) انظر : إعجاز القرآن ، الباقلاني ، ص / 51 . ( 2 ) تاريخ فكرة الإعجاز ، د . نعيم الحمصي ، ص / 11 .