أحمد ياسوف
271
دراسات فنيه في القرآن الكريم
من غير تبيين وجه سفاهته ، وتقول عائشة عبد الرحمن عن الباقلاني : « ملأ ثلاث صفحات من كلام مسيلمة وسجاح التميمية ( - 55 ه ) ، ليقول : ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام » « 1 » . ويمكننا أن نردّ على كلامها ملتمسين العذر لمنهج القدامى في أنهم اعتمدوا الحكم الإجمالي بلا تفصيل اعتمادا على ظهور السّخف والضعف في كلامه ، خصوصا أن عصرهم عصر نضج علم اللغة العربية ، ونستند في هذا الرأي إلى الشرط الذي ذكره الباقلاني ، وهو إتقان فنون العربية لفهم البلاغة القرآنية ، إذ قال : « أما البليغ الذي أحاط بمذهب العربية ، وغرائب الصّنعة ، فإنه يعلم من نفسه عجزه عن الإتيان بمثله ، ويعلم بمثل ما عرف عجزه عجز غيره » « 2 » . وكان من الطبيعي ألا يلجأ مسيلمة إلى الشعر ، فقد أدرك البون بينهما في الظاهر ، ولعلّه أدرك الموسيقا الداخلية وأبعادها النفسية ، فتجاهلها ، وتجنّبها لعدم قدرته على معارضتها ، فقد كان الأمر يحتاج إلى إحاطة بالغة لا يصلها بشر ، وهي إحاطة ترتيب الحروف والحركات ، فظلّ في معارضته ناثرا شكليا ، ولم يكتف بتقليد الفاصلة ، بل عمد إلى شيء من الموازنة في بعض هذيانه . ومن أقواله ما يذكره الباقلاني : « والليل الأصحم ، والذئب الأدلم ، والجذع الأزلم ، ما انتهكت أسيد من محرم » « 3 » ، فالكلمات السابقة على وزن واحد ، لأن القافية على وزن « أفعل » أصحم ، أدلم ، أزلم ، والقافية الداخلية على وزن « فعل » ، وهذه الشكلانية المحضة قد أوقعت به في الغريب مثل الأدلم والأزلم ، وفي سوقية اختيار الذئب ذلك الحيوان
--> ( 1 ) الإعجاز البياني للقرآن ، د . عائشة عبد الرحمن ، ص / 75 . ( 2 ) إعجاز القرآن للباقلاني ، ص / 43 . ( 3 ) إعجاز القرآن للباقلاني ، ص / 56 .