أحمد ياسوف
259
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وفي حديث آخر قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن يجهر به » « 1 » . وقال : « ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن » « 2 » . ويعلّق أبو حامد الغزالي ( - 505 ه ) رضي اللّه عنه على هذين الحديثين قائلا : « قيل أراد به الترنّم ، وترديد الألحان به ، وهو أقرب عند أهل اللغة » « 3 » . بيد أن هذا اللحن ليس بمطّ مبتذل ، فهو محكوم بقوانين اللغة التي تساعد على إبراز النظم الموسيقى المعجز ، وهذا التّغنّي لا يصل إلى مرتبة الغناء والإنشاد ولا يهبط إلى مرتبة القراءة ، وإلى هذه المعيارية يشير الحديث النبوي : « اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الكتابين ، وأهل الفسق ، فإنه سيجيء بعدي قوم يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة » « 4 » . وعلى هذا المنهج سار السلف الصالح ، فلا يميلون إلى درجة الغناء ، ولا إلى الغمغمة السريعة ، وفي هذا الوعي المتجلّي في التأنّي نجد عبد اللّه بن عبّاس ( - 68 ه ) رضي اللّه عنهما يقول فيما نقله الغزالي : « لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتّلهما وأتدبّرهما ، أحبّ إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة » « 5 » . ويؤكد هذا برواية أخرى عن أبي جمرة الضبعي التابعي قال : قلت
--> ( 1 ) البخاري ، فضائل القرآن ، ح ( 4735 ) ، ومسلم ، صلاة المسافرين ، ح ( 392 ) ، وهو في المصنف لعبد الرزاق : 2 / 483 ، وفضائل القرآن لابن كثير في نهاية تفسيره : 4 / 1027 . ( 2 ) مصنف عبد الرزاق : 2 / 483 . ( 3 ) إحياء علوم الدين ، الغزالي : 1 / 329 . ( 4 ) رواه البيهقي في شعب الإيمان كما في الجامع الصغير للسيوطي : 1 / 199 . ( 5 ) إحياء علوم الدين : 1 / 326 والهذرمة : قراءة سريعة غير مفهومة .