أحمد ياسوف
253
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ونودّ في هذه الفقرة أن نبين أن دراسة العنصر الموسيقى للقرآن ليست وليدة عصرنا ، وما يشغلنا هاهنا محاولة استقصاء بعض الدلائل والمواقف التي تبرهن على وجود تذوق سمعي عاصر البعثة النبوية الشريفة ، وكذلك نبحث في الدلائل القرآنية الداعية إلى مراعاة الإعجاز الموسيقى وتفهّمه ، وكذلك لا بدّ من الإشارة إلى مقارنتهم القرآن بالشعر وقضية المعارضة التي تتصل بموسيقا القرآن . إن الوعي الجمالي للموسيقا متأصل في النفس البشرية ، ولهذا لا نقصر جمال موسيقا القرآن الكريم بشتى تجلياتها على العرب لكون بعضهم من البدو على وجه الخصوص ، لذلك يعد ما قاله الأستاذ مالك بن نبي رحمه اللّه بحاجة إلى استدراك وتكميل ، إذ قال : « فالنفس البدوية طروب في جوهرها ، وجميع مطامحها وانفعالاتها واندفاعاتها إنما تتجلى في تعبير موسيقي موزون هو بيت الشعر الذي سيكون مقياسه خطوة الجمل السريعة أو الطويلة » « 1 » . والمعروف أن للموسيقا فاعلية في تغيير المزاج والخلق ، وقد ألمح إلى هذا فلاسفة ومؤدبون وأطباء منذ القدم وهي بين الضرورة والتطلع الروحي ، أي بين الضروريات الحسية والكماليات الروحية . يقول سقراط ( - 399 ق . م ) : « فحين يسلم الإنسان نفسه للموسيقا ، ويقبل عن طريق الأذن تفيض على نفسه سيول الأنغام الشجية البديعة . . فمهما يكن في إنسان من الترف الشديد القسوة كالفولاذ ، فإنه يلين ، وإذا ثابر على ذلك منذ طفولته دون فتور أذاب فعل الموسيقا ما فيه من نزق وغضب . . فإذا كانت نفسه بطبيعتها عديمة النزق حصلت فيها هذه النتيجة سريعا » « 2 » .
--> ( 1 ) الظاهرة القرآنية ، مالك بن نبي ، ص / 176 . ( 2 ) جمهورية أفلاطون ، ص / 105 باختصار عبارات .