أحمد ياسوف
244
دراسات فنيه في القرآن الكريم
فلا اختلاف لدى أعراف المجتمعات في بلادة الحمار وغبائه ، ومكر الثعلب ، وصبر الجمل ، ودناءة الكلب . ولعلّ مدّعي البيئة يحتج بشاهد وحيد في القرآن الكريم بقوله تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 91 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً [ النحل : 91 - 92 ] ، لاحتواء التشبيه على جهة مصنوعة وهو النسج . ولكن النسج غير قاصر على البيئة العربية « وإذا كانت العرب تقول : ( أخرق من ناكثة عهدها ) سواء أقالت ذلك بعد عصر التنزيل أم قبله ، فإن العجم تقول كذلك ، وإذ لم تقله فإنها تفهمه إذا سمعته » « 1 » . ولعلّ الذي قصر هذه الصورة على البيئة العربية اعتمد على المفسرين الذين قالوا : كانت هذه المرأة وهي أم أريطة بنت كعب من قريش تنزل وتأمر جواريها بالغزل ثم تنقض وتأمرهن أن ينقضن ما فتلن ، فضرب بها المثل في الخرق « 2 » . والشعوب تعرف مثل هذا المثل ، ولدينا أسطورة مينلوب اليونانية المعبرة عن الوفاء إذ سافر زوجها وكانت ذات جمال فكثر عليها الخاطبون ، فراحت توعدهم بالقبول بعد نهاية نسجها ، فتنسج في النهار ثم تنقض في الليل ، رغبة منها في مرور الزمن إلى أن يعود زوجها . وقد ألبس القرآن الكريم عناصر الطبيعة لبوسا جديدا في خضم التأثير الوجداني المنبت في الصورة ، وقد كان القصد الفني سببا لهذا اللبوس الجديد ، وعلى الرغم من وجود الجراد والفراش والعنكبوت في البيئة
--> ( 1 ) القرآن ونصوصه ، د . زرزور ، ص / 291 . ( 2 ) مجمع الأمثال للميداني : 1 / 255 - 256 .