أحمد ياسوف
214
دراسات فنيه في القرآن الكريم
المعروف ، ففي هذه الكلمة هبوط بالمستوى الإنساني ، ونزع للعقل باستخدام الجماد الفارغ . وكذلك تبرز صورة كونية مروعة في وصف حال الكفرة ، في قوله عز وجل : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [ البقرة : 19 ] ، ويمكن أن نرصد ست كلمات من الطبيعة أسهمت في رسم المشهد : صيب ، السماء ، ظلمات ، رعد ، برق ، صواعق . يقول الزمخشري : « شبه دين الإسلام بالصّيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به في شبه الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق ، وما يصيب الكفرة من الأفزاع والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق » « 1 » . وهكذا فهم الزمخشري الربط بين الجمادات وأهمية حضورها في الصورة البصرية المجسمة مشيرا إلى ظاهرة فنية مطردة في أسلوب القرآن الكريم ، وهي تبيان المعاني المجردة وجلاؤها بماديات مشاهدة ، من مثل النور والظلام والمطر ، فيجسم الهدى مثلا بالنور ، ويجسم الضلال بالظلمات ، ولهذا بعد إنساني دائم التأثير . وقد امتاز الدكتور أحمد بدوي بدقة النظر في المفردات المكونة للصورة القرآنية ، خصوصا نظراته إلى الإيحاءات والتصوير من خلال الفروق اللغوية ، وكانت له نظرته في عناصر الطبيعة المكونة للصورة الفنية ، فهو يقول في الآية السابقة « فمثّلهم القرآن بحال من حصرتهم السماء بصيب ، وفي هذه الكلمة ما يوحي بقوة المطر وشدة بطشه ، فهو ليس بغيث ينقذ الأرض عن ظمئها ، ولكنه مطر يصيبها ويؤثر فيها ، وفي
--> ( 1 ) الكشاف : 1 : 208 - 209 .