أحمد ياسوف

187

دراسات فنيه في القرآن الكريم

أي جرى في سجيّته على وجه الأرض بارزا متشعبا يبرق ويلمع ، والكلمة زيادة على ما فيها من جمال التعبير تصوّر لك شدة وضوح هذا الانسياب وظهوره مقابل اختفاء ذلك الآخر واستتاره » « 1 » . ومن الحركات الآخذة في الثبات ، الحركة الدائرية في قوله تبارك وتعالى : عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [ الفتح : 6 ] في وصف المشركين والمنافقين ، وهاهنا جسمت كلمة دائرة السوء وهو مجرد ، بل جعلته يقوم بحركة الإحاطة المحكمة ، إذ تكون المسافة بين إطار هذه الدائرة وفاعل السوء واحدة ، فضلا عن معنى الإغلاق الدائم وحتمية بقاء المشركين على دنسهم . وكذلك قوله تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [ فصلت : 48 ] ، وكذلك الآية الكريمة : وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [ الشورى : 35 ] ، وقد وردت الكلمة خمس مرات في البيان القرآني خاصة بالكفار : « إن لفظة محيص تصور نفس المجادلين وهي مغلقة على ذاتها رهينة جدرانها ، لا تستطيع الانفلات من حبسها وضيق تفكيرها وتحجره ، وإن عقابها لا محيد عنه ، ولا انفلات منه ، وهي بالرغم من ذلك تموج حركة وحسرة وحيرة وهي في صمت وهدوء ، لتنتقم من نفسها ، فدلالتها قوية وحركتها صامتة » « 2 » . فالحركة منقطعة نتيجة قوة ضاغطة ، وهي توحي إلى ضيق الحيز المكاني إلى جانب ضيق الصدر وانقباض المشاعر ، وكأنهم جمعوا في مكان ضيق كما يومئ إلى هذا الحرف الاحتكاكي في لفظه وهو الحاء ، أما الصاد فإنه يشير إلى غليان النفس المنقبضة بصفيره والوقوف عليه في رأس الآية .

--> ( 1 ) من روائع القرآن ، د . محمد سعيد رمضان البوطي ، ص 232 . ( 2 ) الإعجاز الفني في القرآن ، عمر السلامي ، ص 92 .