أحمد ياسوف
163
دراسات فنيه في القرآن الكريم
تقريريا ، ولكن الهيمنة صفة نفسية تبين أن اللّه عز وجل يسيطر على الوجود والغيب ، حتى إنه يوزع الهيمنة على وسائل الاتصال بالبشر ، فنتصور القرآن الكريم هنا شخصا يتملك الأجساد والعقول ، ونتصور له مقاما عاليا يشرف منه ويتشرّف على الكل ، فبعد أن اكتسب الفاعلية بدا فاعلا بذاته . وهناك صفة الخشوع التي تستعار لاستجابة الأرض ، وربما كان خشوعا قائما بذاته خاصا بخلق الأرض ، وذلك في قوله عز وجل : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [ فصلت : 39 ] والتعبير « خاشعة » يجعلنا نعيش حقيقة اللفظة القرآنية التي تخلع الحياة على الكائنات الطبيعية ، إن لفظة خاشعة التي تعني « ذليلة منكسرة ميتة » « 1 » تصور الأرض ، كالذليل الكاسف البال في الأطماء الرثة « 2 » ، وتصورها كالناسك المتعبد الخاشع ، يسوده جلال وهيبة ، وهذا يعطي الأرض صفة الخنوع والتذلل لربها « 3 » . ولسنا نتصور هذا التشخيص الجسدي أو النفسي في الفعلين اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ كما رأى بعض الدارسين ، لأنه إسناد فقط ، وليست كل حركة دلالة على التشخيص ، إذ لا بد أن تتصف بطبع بشري وإن كان الزمخشري قد قال عن الفعلين « بمنزلة المختال في زيه » وكذلك لا يكون التشخيص في الرجفان كما في قوله تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [ المزمل : 14 ] فالرجفان مجرد حركة لا تقتصر على الإنسان ، إذ نريد فعلا بشريا حيويا أو نفسيا .
--> ( 1 ) تنوير المقياس من تفسير ابن عباس ، ص 404 . ( 2 ) الكشاف : 4 / 201 . ( 3 ) الإعجاز الفني في القرآن ، عمر السلامي ، ص 89 وانظر من جماليات التصوير ، عبد العال ، ص 86 - 87 .