أحمد ياسوف
155
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الرماني بدافع الانتقام الذي جعل النار الكائن الجماد عاقلة أشركت في مهمة قصد العذاب . وتدل آية الفرقان على أن هذا الصوت الآدمي قوي جدا ما دام الوسيط المكاني متسعا مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهذا يزيد في الترويع ، خصوصا أنها تقصدهم « رَأَتْهُمْ فهي فاعلة لا منفعلة ، ويؤكد البيان القرآني هذه الفاعلية بالضمير لَها أي ليس لغيرها ، وهذا توكيد باتصافها بهذه الأوصاف من غيظ وشهيق وزفير . والناظر المتمعن في الآيتين يجد أن كلمتي شَهِيقاً و « زفيرا » تدلان على عمق هذه النار وبعد أحشائها الملتهبة التي تنتظر بحنق مجيء العصاة ، كذلك يدل فعل تَفُورُ على باطن النار وعمقها البعيد ، كما يدل الفعل سَمِعُوا بمضيّه على سرعة السمع ما داموا محوطين بصوتها المهول ، أما الفعل تَمَيَّزُ فقد حذف منه التاء إذ الأصل تتميز ، والحذف في اللفظ للسرعة به ، وهو يومئ إلى سرعة الحدث فكأنها شخص مغتاظ يكاد يقطع أعضاءه غيظا ، والغيظ يلهب المشاعر والجسد فكيف إذا كان من اللهيب ذاته ، وهذا مما لا يحيط به خيال . كذلك تبدو الأرض امرأة تطلب الزينة في قوله عز وجل : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً [ يونس : 24 ] ، ويقف الدكتور صبحي الصالح عند المفردة المشخصة ويقول : « أما الأرض فشخصت مرتين ، وقامت بحركتين ، إذ أخذت بنفسها زخرفها ، كما تفعل العروس يوم جلوتها ، وتطلب الزينة تطلبا ، وسعت إليها سعيا ، فلم تزيّن ، ولكنها ازينت » « 1 » .
--> ( 1 ) مباحث في علوم القرآن ، ص 326 .