أحمد ياسوف

139

دراسات فنيه في القرآن الكريم

الصّفرة ورثاثة الهيئة ، وزلّة الحال ، وحصول القلق والفشل ، يضاهي الملابس في اختلاف أحوالها » « 1 » . وقد تناقل الدارسون البلاغيون هذه الآية وسجّلوا تعليقات مؤتلفة ومختلفة ، كلها تصبّ على الأغلب في جانب جلاء المصطلح البلاغي واختلاف في المسميات ، وانشغلوا باللباس من غير اتصال هذا بالمذاق اللهم إشارة من الزمخشري ، فركزوا على تجسيم الخوف والجوع باللباس . ونجد أن ثمة كلمتين حسيتين مضيئتين في النص « أذاقها » و « لباس » مما يعني المبالغة في الحسية ، وذلك أن يتذوق المرء هذا اللباس الذي يجسم الخوف والجوع والإحاطة إلى اللباس قائمة ما دام الإنسان إنسانا ، فالآية تريد عمق الإحساس بالجوع والخوف في أقوى مظاهرهما إلى درجة التذوق . أما التوالد الصوري فقد حصل من لقاء اللباس بالجوع ، ولقاء اللباس بالخوف ، ثم لقاء اللباس بالذوق ، والأخير غاية الحسية وكلاهما حسي ، بل إنه يثير طاقة التخيل ، ليتصور المرء كيف يتذوق هذا المحيط به كاللباس ، حيث امتزاج الملموس بالمذوق ، ومما يعني أن الشعور الذي انقلب لباسا ظاهرا أخذ صفة العمق بالعودة إلى داخل الجسد عن طريق المذوق . ويمكن أن نذكر هنا الآية الكريمة : وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ [ فصلت : 50 ] ، فكان الضر في صورة لمسية سطحية ، أما التكريم الرباني فكان أعمق شكلا ، لأنه يتغلغل مع الجسم من خلال فعل الإذاقة ، ونجد هنا

--> ( 1 ) الطراز : 1 / 235 وانظر السكاكي والقزويني في الإيضاح ، ص 226 .