أحمد ياسوف
123
دراسات فنيه في القرآن الكريم
القرآن ، وهي « التجسيم » تجسيم المعنويات المجردة ، وإبرازها أجساما أو محسوسات على العموم ، إنه ليصل في هذا إلى مدى بعيد ، حتى يعبّر به في مواضع حساسة جدّ الحساسية ، يحرص الدين الإسلامي على تجريدها كامل التجريد ، كالذات الإلهية وصفاتها » « 1 » . فالتجسيم جزء من التصوير كما يتضح ، لأنه مقصور على نقل المجرد إلى المجال المحسوس ، ومع إقرارنا بجهد مشكور لدى الأستاذ قطب ، خصوصا عنايته الفائقة بالبعد النفسي للتجسيم ، فإن هذا لم يكن جديدا تماما أو شيئا لم يتطرق إليه الأقدمون . وغايتنا في هذه الفقرة وغيرها أن نطرح جانبا الاهتمام بنوع المصطلح البلاغي كنوع الاستعارة ، والانشغال بوجه الشبه وما شاكل ذلك كما درج البلاغيون القدامى ، لنفرع للأثر النفسي للمفردات من خلال النظر المتعمق في الجانب الحسي وأصل وجوده ثم دخوله في سياق التجسيم ، وبعد هذا نفرغ للتوقعات الأدبية والاحتمالات النفسية لما يوحي به امتزاج الذهني بالحسي . ونقتصر هنا على الطبيعة المجسمة للمعاني المجردة أو بحسب ما يقول البلاغيون القدامى : « تشبيه معقول بمحسوس » ، وسنفرد مكانا لنفصل القول في حضور عناصر الطبيعية ، وقد رأينا أن نستخدم مصطلح التسجيم دون التشبيه الأكثر ورودا ، لأن تجسيم الأفكار يعتمد على تشبيه المعنوي بالحسي ، وعلى استعارة كلمة حسية للمعاني المجردة . وسنقف عند ثلاث جماليات للتجسيم من خلال سرد بعض الآيات الكريمة ، ونستعين خلال هذا بما ورد عند الدارسين قدامي أو معاصرين ، لمعرفة مدى استيعابهم الجمالي لإسهام المفردة في عملية التجسيم .
--> ( 1 ) التصوير الفني في القرآن ، سيد قطب ، ص 57 .