أحمد ياسوف
111
دراسات فنيه في القرآن الكريم
المصطلح ، ويظل على القارئ أن يقدر من عنده ما وصل إليها الدارس السابق المستفيض . ومن الآيات التي تنافسوا في إحصاء فنونها قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] ، فكلهم يقرنها بقول العرب المشهور « القتل أنفى للقتل » ، فقد أحصوا عدد الحروف ، وقلّبوا الكلمات ، وزاد اللاحق على السابق من غير تذوق جمالي ، وكثير من الآيات كان بحاجة إلى عناية لإبراز جمال الإيجاز فيها . وإذا كان الجرجاني قد فسّر قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ هود : 44 ] ، وفق نظرية النظم وقرّب إلى المشاعر مكنونات هذا النظم وأسرار جماله ، فإن من تلاه ساروا وفق مبدأ ما ترك السلف للخلف شيئا ، فهي في كل المصنفات ، وكل واحد من المصنفين له عدد فنون البلاغة فيها ، ولربما تشتت انتباه القارئ ، وحار بين تسميتين لفن بلاغي واحد في هذه الآية ، وكلّ منهم ينكبّ على سابقيه ، ليعطي تقسيما جديدا ، فيما يشبه حواشي ذلك العصر . ولم يتسرّب هذا إلى المعاصرين عندنا إلا قليلا ، فهم أميل إلى الإبداع منهم إلى التقليد ، ففي عناية « في ظلال القرآن » بجمال الصورة الفنية ما يدل على إبداع المعاصرين وابتكارهم الجمالي ، وهو مجلدات ضخمة لا نقع فيها على لمسات القدامى إلا ما ندر جدا ، ومثل هذا دراسة عائشة عبد الرحمن ، وإن كانت لا تخلو أحيانا من هجوم على القدامى ، ونحن نجد شواهد القدامى لدى بدوي وحفني شرف والرافعي إلا أن جانب الإبداع أوسع - والحق يقال - من جانب التقليد . ومن دواعي اعتماد المعاصرين على الأسلاف أن يكون الدارس غير مختص في شؤون الأدب ، كأن يكون مختصا بالتفسير أو علوم القرآن