أحمد ياسوف

107

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وهكذا يتدفق بيانه في مديح الآيات ، والثناء على كل حرف ، وكل كلمة وكل عبارة في الآية ، فهي أفصح بيان ، وأحلى قول ، وأجمل صورة » . ويباهون بتقديم معرفتهم الفنية بالشعر ، ولا يشمل هذا الجميع ، فهو مختلف في أسلوبه تبعا للعصر وشخصية الدارس ، وهذا التقصير واضح في كتبه من مثل الفوائد وتحرير التحبير ، والطراز وغيرها . يبدو أن هذه الظاهرة ، توجد عن المتفهمين منهم الذين لم يعهد عنهم ضيق النظر وجمود الذوق ، فأبو هلال العسكري يعقد فصلا في مصنّفه المبالغة فيذكر الآية : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 1 ] ، ولا يذكر التذييل ، فالمهم عنده مكان « المبالغة » ولا يجد في الشعر ما هو في هذا المعنى إلا بيت امرئ القيس الذي يدل على غاية الفحش إذ يقول : فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول « 1 » فأهوال يوم القيامة التي تشغل المرأة عن رضيعها شبيهة بتسلّط الشاعر على صاحبته ، فتترك رضيعها وكان من دواعي حرمة النص أن يبعد البيان القرآني عن هذا المجون وانتشال اللذة ، فضلا عن حضور المشهد كونيا هائلا مروعا في الآية فلا يدعو إلى السرور والمشهد في بيت امرئ القيس بدا جزئيا في حيزه المكاني عابرا في حيزه الزماني ، إضافة إلى أهمية التفريق بين مصدري القولين الإلهي والبشري ، ولو أتم الآية بتذييلها وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ لأدرك الفرق بين الموقفين ، ولربما استغنى عن مصطلحة « المبالغة » .

--> ( 1 ) انظر الصناعتين ، ص 335 .