محمد إبراهيم الحفناوي
70
دراسات اصوليه في القرآن الكريم
من الزنجية والتركية والرومية ، وفي إجماعنا على خلاف هذا دليل على بطلان ما قالوه . ولأنه لو كان كذلك لكان يجب أن يكون فيه من هذه اللغات قدرا يعلم به المراد ، ويقع به التبليغ ، فأما هذه الكلمات الشاذة فلم يعلم بها شئ ولا يقع بها بيان ، ولأنه وإن كان مبعوثا إلى الكافة إلا أن القصد إعجاز العرب ، فإنهم أهل اللسان والفصاحة والبيان ، فإذا ظهر عجزهم عن الإتيان بمثله دل على أن غيرهم عن ذلك أعجز وثبت صدقه في حق الجميع . وعلى هذا الترتيب أجرى اللّه تعالى أمر معجزات الأنبياء ، فبعث موسى عليه السلام إلى أحذق « 1 » الناس بالسحر في زمان كانوا يدعون السحر ، فجعل معجزته من جنس ما يدعونه حتى إذا عجزوا عن مثله دل على أن غيرهم أعجز . وبعث عيسى عليه السلام في زمن الأطباء ، وجعل معجزته من جنس ما يتعاطونه ، حتى إذا اعترفوا بالعجز عن مثله دل على أن غيرهم عن ذلك أعجز . فكذلك هاهنا لما كانت العرب في ذلك الزمان أفصح الناس لسانا ، وأحسنهم بيانا جعل المعجزة من جنس ما كانوا يدعونه ليكون ذلك أظهر في الإعجاز وأبين في الدليل . هذا وبعد ذكر آراء العلماء في هذه المسألة يتضح لنا جليّا قوة ما ذهب إليه الجمهور للأدلة التي استدل بها وسلامتها مما يعارضها . والعرب لا شك من أقدم الأمم ولغتهم من أقدم اللغات وقد اختلطوا بغيرهم كثيرا . وكان الرومان يستأجرون منهم الجنود والعساكر لما عرفوا
--> ( 1 ) أحذق الناس بالسحر أي أمهرهم يقال حذق الصبى القرآن والعمل إذا مهر وبابه ضرب - مختار الصحاح 127 .