محمد إبراهيم الحفناوي

408

دراسات اصوليه في القرآن الكريم

وقد اختلف العلماء في هذه الآية . أبقيت محكمة لم يدخلها النسخ أم نسخت ؟ فقال بعضهم : إنها منسوخة . ثم هؤلاء القائلون بالنسخ اختلفوا فيما بينهم في الناسخ لها أهو الكتاب أم السنة ؟ فذهب جماعة إلى القول بأن الناسخ « 1 » لها قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ « 2 » وقالوا إن الترتيب في التلاوة ليس دليل الترتيب في النزول . وقال ابن سلامة « 3 » بعد ذكر الآية التي يراها منسوخة : وهي من أعاجيب المنسوخ نسخها اللّه بآية قبلها في النظم . وذهب جماعة إلى القول بأن الناسخ لها السنة ، واستدلوا بما روى عن عائشة وأم سلمة رضى اللّه عنهما : « لم يمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أحل اللّه له النساء » « 4 » . وبهذا الحديث قال ابن عباس والشافعي رضى اللّه عنهم . والحق أن الآية محكمة لم يدخلها نسخ ، ولا يوجد تعارض بين الآيتين حتى يدفع بالنسخ ، لأن النسخ يعتمد على ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ ، وأن يكون بينهما تعارض وأين هذا مما يقولون ؟ وهل مجرد احتمال أن تكون آية : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ متقدمة في النزول كاف لإثبات النسخ فيها ؟ إن ادعاء النسخ هنا لا دليل عليه ، لأن الآيتين متفقتان لا تناقض بينهما . ومعنى آية : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ نهيه صلى اللّه عليه وسلم عن تزوج غيرهن أو طلاقهن وأن يتبدل بهن . ومعنى الآية الأخرى : أن اللّه عز وجل أحل له صلى اللّه عليه وسلم من ذكرهن وهي زوجاته . والقائلون إن الآية منسوخة بالسنة ، وأن ذلك دليل على جواز نسخ الكتاب بالسنة فأمرهم أعجب حيث إن المجيزين لنسخ الكتاب بالسنة

--> ( 1 ) الناسخ والمنسوخ لابن سلامة 75 ، والإتقان 3 / 760 . ( 2 ) سورة الأحزاب الآية : 50 . ( 3 ) الناسخ والمنسوخ له 75 . ( 4 ) أخرجه الترمذي في سننه 5 / 356 .