محمد إبراهيم الحفناوي
346
دراسات اصوليه في القرآن الكريم
فإن قيل بالأول : فلا شك أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ، لأن ما يكون مصلحة لشخص قد لا يكون مصلحة لآخر كشرب الدواء - مثلا - فهو مصلحة للمريض دون الصحيح ، وكذلك ما يكون مصلحة لشخص في زمن قد لا يكون مصلحة له في زمن آخر ألا ترى أن الطبيب الحاذق « 1 » يبدل الأدوية والأغذية بملاحظة حالات المريض وغيرها على حسب المصلحة التي يراها ، ولا يحمل أحد فعله على العبث والجهل . وما دامت المصالح تختلف هكذا والأحكام يراعى في شرعيتها مصالح العباد ، فلا شك أن ذلك مما يجعل النسخ أمرا لا بدّ منه وليس محالا . وإن قيل بالثاني : فظاهر أيضا أن النسخ لا يترتب عليه محال ، لأنه لم يخرج عن كونه فعلا للّه تعالى وهو جل شأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ومن هنا يظهر لنا بوضوح أن النسخ في الحالتين لا يترتب على فرض وقوعه محال فكان جائزا عقلا لأن هذا هو شأن الجواز العقلي « 2 » . وقد نوقش هذا الدليل من قبل القائلين بعدم الجواز العقلي بما يلي : النسخ يترتب عليه محال وعليه فيكون محالا ، ومن هنا فالمقدمة الصغرى من دليلكم لم تتم . . وبيان ذلك : الحكم الناسخ إما أن يكون قد شرع لمصلحة علمها اللّه تعالى بعد أن لم يكن علمها أو يكون شرع لا لمصلحة فإن كان الأول فقد تحقق البداء وهو على اللّه تعالى محال . وإن كان الثاني فهو عبث وهو أيضا على اللّه تعالى محال .
--> ( 1 ) الحاذق : الماهر - لسان العرب 1 / 811 - . ( 2 ) المحصول 1 / 452 ، والتبصرة 252 ، والروضة لابن قدامة 69 ، والإحكام للآمدى 2 / 166 ، 167 ، ونهاية السول 2 / 167 ، وحاشية الإزميري 2 / 172 ، وإظهار الحق للشيخ رحمت اللّه الهندي 295 .