محمد إبراهيم الحفناوي
333
دراسات اصوليه في القرآن الكريم
وأما الحكمة في نسخ الحكم بما يساويه فهي الابتلاء والاختيار ليميز اللّه الخبيث من الطيب ، أما الحكمة من بقاء التلاوة مع نسخ الحكم - عند القائلين به - فتسجيل هذه الظاهرة الحكيمة ظاهرة سياسة الإسلام للناس حتى يشهدوا أنه الدين الحق ، وأن نبيه صلى اللّه عليه وسلم نبي الصدق . يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب على هذه التلاوة ، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة ، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها . وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فحكمته تظهر في كل آية بما يناسبها . ومن أمثلة ذلك : أنه روى عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضى اللّه عنهما أنهما قالا : كان فيما أنزل من القرآن : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة . أي كان هذا النص آية تتلى ، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولا به ، والسر في ذلك أنها كانت تتلى أولا لتقرير حكمها ردعا لمن تحدثه نفسه أن يتلطخ بهذا العار الفاحش من شيوخ وشيخات ، حتى إذا ما تقرر هذا الحكم في النفوس نسخ اللّه تلاوته لحكمة أخرى هي الإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة ، وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل ، وسار بها في طريق يشبه طريق المستحيل الذي لا يقع كأنه قال : نزهوا الأسماع عن سماعها والألسنة عن ذكرها فضلا عن الفرار منها ومن التلوث برجسها « 1 » .
--> ( 1 ) لطائف الإشارات 40 ، 41 ، ومناهل العرفان 2 / 92 .