محمد إبراهيم الحفناوي

178

دراسات اصوليه في القرآن الكريم

وأما النكرة فلأنها ، وإن وضعت للفرد الشائع سواء كان واحدا كما في النكرة المفردة « رجل » أو متعددا كما في النكرة المثناة أو المجموعة « رجلين ورجال » إلا أن النكرة لم تستغرق ما وضعت له بمعنى أنها لم تتناوله دفعة واحدة وإنما تناولته على سبيل البدل فإذا قيل : أكرم رجلا كان معناه حقق الإكرام في أي رجل شئت : في خالد أو في بكر ، مثلا ولا يقتضى ذلك تحقيق الإكرام في خالد وبكر في وقت واحد ، لأن اللفظ لم يدل على ذلك وهكذا . وقوله : « جميع ما يصلح له » الذي يصلح له اللفظ هو ما وضع له اللفظ لغة ، وعلى ذلك فالمعنى الذي لم يوضع له اللفظ لا يكون صالحا له . فكلمة « من » لفظ وضع للعاقل وكلمة « ما » وضعت لغير العاقل فيلزم من ذلك أن يكون لفظ « من » صالحا للعاقل غير صالح لغيره ويكون لفظ « ما » صالحا لغير العاقل فقط . فإذا استعمل لفظ « من » في العاقل ولفظ « ما » في غير العاقل صدق على كل منهما أنه عام لأنه استغرق الصالح له ، وعدم صلاحية كل منها لغير ما وضع له لا يخرجه عن كونه عامّا فيما وضع له ، وبهذا ظهر أن هذا القيد قصد به تحقيق معنى العموم كما قصد به الاحتراز عن اللفظ الذي استعمل في بعض ما يصلح له كقوله تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ « 1 » فإن الناس الأولى مراد بها نعيم بن مسعود الأشجعي « 2 » فقط . فمثل هذا لا يكون عامّا لأنه لم يستغرق جميع ما يصلح له بل استعمل في بعض ما يصلح له .

--> ملاحظة لعدد أو لواحد فقوله تعالى : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ المجادلة 3 ] يدل على المطالبة بعتق رقبة من غير ملاحظة أن يكون واحدة أو أكثر مؤمنة أو كافرة ، أما العام فإنه يدل على الماهية باعتبار تعددها كقوله تعالى : فَضَرْبَ الرِّقابِ [ القتال 4 ] فهو لفظ عام يعم المقاتلين . ( 1 ) سورة آل عمران الآية : 173 . ( 2 ) تفسير القرطبي : 2 / 1521 .