محمد إبراهيم الحفناوي

110

دراسات اصوليه في القرآن الكريم

من نفسه من قذف في قلبه ، وأوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه ، فهو يأتي بالمعاني التي ألهمها بألفاظه التي يكسوها إياه كما يشاهد من الكتب المتقدمة ، ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة ، وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا في كلام البشر ، لأن الجزالة من الألفاظ التي لا توجد إلا بما يشوبها « 1 » من القوة والعذوبة فيها ما يضادها من السلاسة والسهولة . فمن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة في الأسماع مثل الفصحاء من الأعراب وفحول الشعراء منهم . ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام في السماع أعزب وأشهى ، وألذ مثل أشعار المخضرمين . وترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نظمه هاتين الصفتين وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز . ومنها جعله آخر الكتب غنيّا عن غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة ، قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه « 2 » إليه قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ « 3 » خلاصة الأمر : أن وجوه الإعجاز لا يمكن البتة حصرها ، وكون القرآن آية معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط أو نظمه وأسلوبه فقط ، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط ، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط ، بل هو آية بينة معجز من وجوه متعددة لا يمكن حصرها ، من جهة اللفظ ، ومن جهة النظم ، ومن جهة البلاغة ، في دلالة اللفظ على المعنى ، ومن جهة معانية التي أمر بها ومعانيه التي أخبر بها عن اللّه

--> ( 1 ) الشوب : الخلط يقال شاب الشيء شوبا إذا خلطه - لسان العرب 3 / 2355 . ( 2 ) البرهان للزركشى 2 / 106 ، 107 . ( 3 ) سورة النمل الآية : 76 .