عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
29
الدر النظيم في خواص القرآن العظيم
مخصوصون لا يسألون عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دنيا ولا عن غنى بل جردوا السؤال عن مولاهم قال تعالى وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وليس هؤلاء من جملة ويسألونك عن الجبال ويسألونك عن اليتامى ويسألونك عن الشهر الحرام ويسألونك عن المحيض ولهذا أجيبوا هؤلاء تكلموا بواسطة فقيل له قل والأولون المخصوصون قول الحق جوابهم بغير واسطة فقال فإني قريب فسؤال كل واحد يدل على حاله ويخبر عن ضميره وقطب هذا أن هذه السؤالات تدل على القرب بالجهات والمساحات فأجيبوا بأن قربه قرب إجابة الدعوات والتنزيه عن الحلول في الجهات والأمكنة وأما القرب فقد أوضحه في الآية فقال إني قريب أجيب دعوة الداع ففسر القرب بالإجابة وقطع الأطماع عن قرب المكان والمساحة مع استحالته في حقه وبين أن قربه من العبد بتوفيقه الدعاء ثم يجيبه واعلم أن الحق سبحانه وتعالى يتصف بالقرب من العبد والعبد يتصف بالقرب من الحق سبحانه فأما قرب الحق من العبد بالذات فيتعالى الحق عنه فإنه يتقدس عن الحلول والأقطار والنهاية والمقدار ما اتصل به مخلوق ولا انفصل عنه حادث جلت الصمدية عن قبول الفصل والوصل فقربه تعالى كرامته لأوليائه وبعده تعالى إهانته وطرده لأعدائه وقربه اليوم من العبد في هذه الدار ما يخصه به من العرفان وتوفيقه لامتثال الأوامر والانتهاء عن الزواجر قال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ وفي الآخرة ما يكرمه به من التجاوز عن الزلات والصفح عن المخالفات عن الشهوة والعيان فقربه سبحانه بالعلم والقدرة والرؤية وهو عام المكافأة قال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وقال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ وقال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وقال ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم فهو قريب لا بالاتصاف فقرب هو جائز في حقه به من يشاء من خلقه من خاصة عباده على ما بيناه وقرب هو في وصفه محال وهو تداني الذوات وأما قرب العبد من اللّه سبحانه وتعالى فهذه اللفظة تحتمل ثلاثة أوجه أحدها الاقتراب إليه بالطاعة لا بالمساحة قال عليه الصلاة والسلام أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فإذا سجد أحدكم فليجتهد في الدعاء إلى آخر الحديث وقال عليه الصلاة والسلام مخبرا عن الحق ما تقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا فبي يسمع وبي يبصر فدلت الآثار على أن الاقتراب إليه بالأعمال الصالحة وفيه دليل على أن أفضل الطاعات والصلوات وأفضل أحوال الصلوات السجود إذ العين لا تسرح والنفس لا تمرح والعبد فيها حامل نفسه غير محمول ومزعج غير مستقر وفيه دليل