خلود العموش

4

الخطاب القرآني

( 2 ) قام مجاز القرآن لأبي عبيدة ، إذن ، على ملحظ منهجي مؤدّاه أن الخطاب القرآني نزل على سنن العرب في كلامها ، وهكذا أصبح كلام العرب وسننهم فيه مدخلا إلى " قراءة " النصّ القرآني ، وسبيل الناس إلى تلقّي الخطاب الذي أنزله ربّ الناس . ولم يكن منهج أبي عبيدة في مجاز القرآن بدعا ؛ فإنّه يجري فيه على نهج ابن عباس في إجاباته عن سؤالات نافع بن الأزرق . ولعلّ إنكار الأصمعيّ لعمل أبي عبيدة في المجاز إذ اعتدّه تفسيرا بالرأي إنّما أملته المنافسة بينهما حسب ؛ ذلك أن الملحظ المنهجي الذي أقام أبو عبيدة عليه كتابه هو الذي يفسّر لنا كيف كانت العربية بنظمها ونظامها لسان الجاهلية كما كانت العربية نفسها بنظمها ونظامها وسنن العرب في كلامها لسان رسالة الإسلام . ( 3 ) فإذا مضينا مع دلالات هذا الملحظ أيقنّا كيف تكون اللغة في إمكاناتها المركّبة في العقل الإنساني بالفطرة تنبئ عن طبيعة كونيّة ؛ إذ تستوعب الجاهلي والإسلاميّ ، بل إنّ هذا الملحظ ينسجم وبعض تأويل علماء العربية لقوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) ، حين ذهبوا إلى أنّ مؤدّى ذلك ما ركّب اللّه في الإنسان من الفطرة التي تمكّنه من إنشاء اللغة على هذا النحو المتجدّد الخلّاق كما انتهى إليه أصحاب النظرية المعرفية العقلية ، وذلك شأن الإنسان في قدرته على " برمجة " كلّ لغة ينشأ في محيطها ؛ ذلك أن العقل الإنساني مزوّد بهذه القدرة الفطرية المركّبة فيه التي تمكّنه من اكتساب أيّة لغة . ويكون هذا كلّه دليلا على المشترك الإنساني بما تنبئ عنه هذه الفطرة اللغوية ، ومسوّغا حاسما للانتقال من القول بكونيّة اللغة إلى القول بعالميّة الرسالة التي حملها الخطاب القرآني . ( 4 ) وكان نزول القرآن بلسان عربيّ مبين هو الذي هيّأ للعربيّة أن تصبح لغة معتمدة ، واستتبع ذلك وصفها وتقعيدها . ونشأت علوم العرب في ظلال القرآن أوّل الأمر لتكون