الجاحظ

93

الحيوان

وكان هدبة هذا من شياطين عذرة ، وهذا شعره كما ترى ، وقد أمر بضرب عنقه وشدّ خناقه . وقليلا ما ترى مثل هذا الشّعر عند مثل هذه الحال ؛ وإنّ امرأ مجتمع القلب ، صحيح الفكر ، كثير الرين ، عضب اللّسان في مثل هذه الحال ، لناهيك به مطلقا غير موثق ، وادعا غير خائف . ونعوذ باللّه من امتحان الأخيار . وهو القائل في تلك الحال « 1 » : [ من الطويل ] فلا تعذليني لا أرى الدّهر معتبا * إذا ما مضى يوم ولا اللّوم مرجعا ولكن أرى أنّ الفتى عرضة الرّدى * ولاقي المنايا مصعدا ومفرّعا « 2 » وإن التّقى خير المتاع وإنما * نصيب الفتى من ماله ما تمتّعا فلا تنكحي إن فرّق الدّهر بيننا * أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا ضروبا للحييه على عظم زوره * إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا وأخرى إذا ما زار بيتك زائر * زيالك يوما كان كالدّهر أجمعا « 3 » سأذكر من نفسي خلائق جمّة * ومجدا قديما طالما قد ترفّعا فلم أر مثلي كاويا لدوائه * ولا قاطعا عرقا سنونا وأخدعا وما كنت ممن أرّث الشرّ بينهم * ولا حين جدّ الشّرّ ممّن تخشّعا وكنت أرى ذا الضّغن ممّن يكيدني * إذا ما رآني فاتر الطّرف أخشعا وما قرأت في الشّعر كشعر عبد يغوث بن صلاءة الحارثيّ ، وطرفة بن العبد ، وهدبة هذا ، فإنّ شعرهم في الخوف لا يقصّر عن شعرهم في الأمن « 4 » . وهذا قليل جدّا .

--> ( 1 ) ديوان هدبة بن الخشرم 105 - 108 . ( 2 ) مفرعا : منحدرا . ( 3 ) زيالك : من المزايلة ، وهي المفارقة والمبارحة . ( 4 ) انظر مثل هذا القول في البيان 2 / 268 .