الجاحظ

83

الحيوان

وفي هذا القياس أنّ الصّقر إنّما يواثب الكركيّ لمكان سلاحه دون شجاعة القلب التي يقوى بها الضّعيف ، وبخلافها يضعف القويّ . وسأقرّب ذلك عندك ببعض ما تعرفه ، لا نشكّ أنّ الهرّ أقوى من الهرّة في كلّ الحالات ، حتى إذا سفدها فحدثت بينهما بغضاء ومطالبة حدثت للهرّة شجاعة وللهرّ ضعف ، فصارت الهرّة في هذه الحال أقوى منه ، وصار الهرّ أضعف . ولولا أنّه يمعن في الهرب غاية الإمعان ثمّ لحقته ، لقطّعته وهو مستخذ . ومثل ذلك أنّ الجرذ يخصى ويرمى به في أنابير التّجّار « 1 » وفي الأقرحة « 2 » والبيادر ، فلا يدع جرذا ضخما قد أعيا الهرّ وابن عرس إلّا قتله ، وإن كان أعظم منه وأشدّ . والخصيّ من كلّ شيء أضعف قوّة من الفحل إلّا الجرذ ، فإنه إذا خصي أحدث له الخصاء شجاعة وجراءة ، وأحدثت له الشّجاعة قوّة وأحدث علم الجرذان بحال الخصاء لها جبنا ، وأحدث الجبن لها ضعفا « 3 » . والرّجل الشّديد الأسر قد يفزع فتنحلّ قواه ، ويسترخي عصبه حتّى يضربه الصبيّ . والذّئب القويّ من ذئاب الخمر « 4 » يكون معه الذئب الضعيف من ذئاب البراري ، فيصيب القويّ خدش يسير ، فحين يشمّ ذلك الذئب الضعيف رائحة الدّم وثب عليه ، فيعتري ذلك القويّ عند ذلك من الضّعف بمقدار ما يعتري الضعيف من القوّة حتى يأكله كيف شاء . والأسد الذي يعتريه الضّعف في الماء الغمر حتّى يركب ظهره الصبيّ ثم يقبض على أذنيه فيغطه كيف شاء . وقد يفعل به ذلك غلمان السّواد وشاطئ الفرات ، إذا احتملت المدود الأسد لا تملك من أنفسها شيئا ، وهو مع ذلك يشدّ على العسكر حتى يفرقه فرق الشّعر ، ويطويه طيّ السّجل ؛ ويهارش النمر عامّة يومه لا يقتل أحدهما صاحبه ، وإن كان الجمل الهائج باركا أتاه فضرب جنبه ليثني إليه عنقه ، كأنه يريد عضّه فيضرب بيساره إلى مشفره فيجذبه جذبة يفصل بها بين دأيات عنقه ، وإن ألفاه قائما وثب

--> ( 1 ) الأنابير : جمع أنبار : وهي البيوت الكبيرة التي يجمع فيها طعام السلطان . ( 2 ) الأقرحة : جمع قراح ، وهي الأرض المخلصة لزرع أو لغرس . ( 3 ) ربيع الأبرار 5 / 471 . ( 4 ) الخمر : ما واراك من شجر .