الجاحظ
78
الحيوان
الوثوب والضّبر « 1 » والحضر ، والطّلب والهرب ، ما ليس في الجاموس ، بل ليس ذلك عند الفهد في وثوبه ، ولا عند السّمع في سرعة مرّه ، ولا عند الأرنب في صعداء ولا هبوط ، ولا يبلغه نقزان الظّبي إذا جمع جراميزه ، ولا ركض الخيل العتاق إذا أجيد إضمارها . والجاموس يعرف كلّ ذلك منه . ومع الجاموس من النّكوص عنه بقدر ما مع الأسد من الإقدام عليه ، ويعلم أنّه ليس له إلّا قرنه وأنّ قرنه ليس في حدّة قرون بقر الوحش ، فضلا عن حدّة أطراف مخالب الأسد وأنيابه وأن قرنه مبتذل ، لا يصان عن شيء . ومخالب الأسد في أكمام وصوان « 2 » . وإذا قوي الجاموس مع هذه الأسباب المجبّنة على الأسد مع تلك الأسباب المشجّعة حتى يقتله أو يعرّد « 3 » عنه ، كان قد تقدّمه تقدّما فاحشا ، وقد علاه علوّا ظاهرا . فلذلك قدّمنا الجاموس وهو بهيمة ، وقدّمنا رؤساء البهائم على رؤساء السباع . هذا سوى ما فيها من المرافق والمنافع والمعاون . والجاموس أجزع خلق اللّه من عضّ جرجسة « 4 » وبعوضة ، وأشدّه هربا منهما إلى الماء . وهو يمشي إلى الأسد رخيّ البال ، رابط الجأش ، ثابت الجنان . فأمّا الفيل فلم يولّد الناس عليه وعلى الكركدن ما ولّدوا من إفراط القوّة والنّجدة والشّهامة ، إلّا والأمر بينهما متقارب عندهم . 2117 - [ مغالبة الفيل للأسد ] والهند أصحاب الببور والفيول ، كما أنّ النّوبة أصحاب الزّرافات دون غيرهم من الأمم . وأهل غانة إنما صار لباسهم جلود النمور لكثرة النمور بها . إلا أنّها على حال موجودة في كثير من البلدان . وقد ذكروا بأجمعهم قوّة الفيل الوحشيّ على الأسد ، وقالوا في الفيلة الأهليّة إذا لقيت عندنا بالعراق الأسد وجمعنا بينهما . قالوا : أما واحدة فإنّ ذكور الفيلة لا تكاد تعيش عندكم ، وأنيابها التي هي أكبر سلاحها لا تنبت في بلادكم ، ولا تعظم ولا تزيد على ما كانت عليه ما أقامت في أرضكم ، وهي أيضا لا تتناتج عندكم ، وذلك
--> ( 1 ) الضبر : جمع القوائم في العدو . ( 2 ) الصوان : ما يصان به الشيء . ( 3 ) التعريد : الإحجام والفرار . ( 4 ) الجرجس : صغار البعوض .